الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نحباني للو

بواسطة azzaman

هاشتاك الناس

نحباني للو

ياس خضير البياتي  

 

يبدو أن السياسيين في العراق قد اتخذوا قرارًا مثيرًا بإعادة صياغة فن الخطابة السياسية بما يتسم بجرأة واضحة: التهجئة العلنية أمام الجمهور. لم يعد النص السياسي يُقرأ بشكل متسق، بل يتم تفكيكه حرفًا حرفًا، كما لو كان تلميذًا صغيرًا يكافح أمام السبورة للمرة الأولى.

 يعتلي النائب أو الوزير المنبر، يرفع حاجبه، يبتلع ريقه، وينظر إلى الورقة كما لو كانت وثيقة سرية، ثم يشرع بالقول: “نحباني… للو» فيسارع الجمهور بالتصفيق، ليس لأنه معجب بالفكرة، بل احتفالاً بنجاته المؤقتة من العذاب السمعي.

عند الاستماع إلى سياسي عراقي يقرأ بيانه، يتبادر إلى الذهن أن اللغة العربية تقف خائفة خلف الكواليس، تطلب العون من قواعد النحو والصرف التي أُبعدت عن العمل. الكلمات تتعارك، المعاني تتلاشى، والجمل تخرج من أفواههم مثقلة بأعطاب لغوية.

يُتلى البيان وكأنه لغز تاريخي محفر على جدار قديم، يتطلب جهود بعثة أثرية لفهم تسلسله. الغريب أن الطرافة في المشهد السياسي لم تعد في المضامين، بل في طريقة تقديم المحتوى. يواجه الوزير صعوبة في نطق اسم وزارته، ويتوقف النائب طويلاً عند كلمة «ديمقراطية» كما لو كانت تعويذة ذات مخاوف غير محسوبة. وفي خضّم تلعثمه، ينهي خطابه بعبارة محفوظة: «نحن في مرحلة حساسة»، وكأن الحساسية أصبحت علة لغوية مزمنة تصيب من يمسك بالميكروفون. لا يخاطب السياسي العراقي الجمهور، بل يتفاعل مع الورقة. يجد نفسه مفقدًا بين الفاعل والمفعول، يتجول بين «المرحلة الحرجة» و»المفصلية»، وكأن البيان معد للاختبار الإملائي وليس للرأي العام.

حتى علامات الترقيم تبدو وكأنها خجولة، تنسحب بعيدًا عن النص خوفًا من تحميلها وزر تلك الفوضى.لا بد من ذكر الفنان الراحل سليم البصري، الذي تهجى الرسالة في مشهد فكاهي شائع بعد دروس محو الأمية. كان صادقًا وواعياً بجهله، وجذابًا في بساطته.

لكن سياسيينا اليوم يقفون أمام السياسة دون وعي أو رغبة في التعلم، كما لو كانت الأمية قد ارتدت بدلة رسمية وربطة عنق لتلقي بيانًا وطنيًا يعاني من تشتت لغوي. أصبحت التهجئة ليست زلة لسان، بل تحولت إلى أسلوب سياسي. مع كل تلعثم، تتعزز «الهيبة»، ومع كل انهيار جملة، تزداد «الخبرة». حتى بات الجهل اللغوي يعتبر علامة كفاءة، والارتباك شرطًا غير مُعلن للترقي للمناصب العليا. ما يثير الاندهاش أكثر هو أن هؤلاء الساسة يتحدثون عن «الإصلاح» بينما هم غير قادرين على صياغة جملة بسيطة، وفي حديثهم عن «مكافحة الفساد» تكون ألسنتهم متورطة في تلابيب الفساد اللغوي، وعندما يتحدثون عن «بناء الدولة» هم يهدمون قواعد اللغة كمن يقوض البناء حجرًا حجرًا.

كأن الدولة تبنى بالأخطاء الإملائية، تدار بالتلعثم، ويحكمها استخدام القواطع الإضافية. في كل مؤتمر صحفي، نشاهد معجزة لغوية جديدة: كلمة بسيطة تتحول إلى نشيد صوتي، وحرف جر يتم نفيه بالقوة، ومفعول به يتيه بلا وجود فاعل. لا يتحدث السياسي إلى الشعب، بل يمزق الورقة، والورقة تكون دائمًا المنتصرة. أما المعنى فهو أول ضحية في كل بيان.

 إذا قدر لسيبويه أن يعود من قبره ليشاهد مؤتمرًا سياسيًا في العراق، لقرر دفن نفسه من جديد. وإذا سمع المتنبي هذا الخراب اللغوي، لابتعد عن الشعر وفتح محلًا لبيع القواميس المحترقة. فاللغة هنا ليست مستخدمة، بل تُستنزف تمامًا حتى آخر رمق.

ليس مطلوبًا منا وجود خطباء مثل الجاحظ، ولا بلاغيين يشبهون عبد القاهر الجرجاني، نحن فقط نريد سياسيًا بإمكانه إنهاء جملة دون طلب نظرة شفقة من المذيع. نحتاج إلى بيان يُقرأ بوضوح، لا يُفكك، يُفهم، لا يخضع لمعالجة طارئة لغوية.

في العراق، لم تتمكن السياسة من إدارة الدولة فحسب، بل أخفقت أيضًا في نطق اسمها بشكل صحيح. وهذه ليست مجرد مشكلة لغوية… بل تلخيص دقيق لحال بلد تُدار شؤونه بالتهجئة.

 

yaaas@hotmail.com


مشاهدات 46
الكاتب ياس خضير البياتي  
أضيف 2026/02/01 - 3:59 PM
آخر تحديث 2026/02/02 - 1:12 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 37 الشهر 807 الكلي 13932451
الوقت الآن
الإثنين 2026/2/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير