فاطمة عبد العباس تضع المرأة في مركز اللوحة
حين يتحوّل الرسم من موهبة طفولة إلى هوية مقاومة
بغداد - الزمان
منذ أن كانت في السابعة من عمرها، لم تكن الجدران لدى فاطمة عبد العباس مجرد مساحات صامتة، بل منصات أولى للتعبير الحر، خطّت عليها طفلة شغوفة ملامح عالمها الداخلي بعفوية صادقة. تلك البدايات المبكرة، التي تعززت بمرافقة والدها إلى شارع المتنبي، شكّلت النواة الأولى لمسيرة فنية أخذت تنضج بثبات، مدعومة بتشجيع أسري وتربوي مبكر آمن بموهبة استثنائية في طور التكوين.
التحول الحاسم في وعي فاطمة بذاتها كفنانة جاء مبكراً أيضاً، حين نالت المركز الأول على مستوى العراق في مسابقة فنية وهي في الصف الثالث المتوسط. لم يكن ذلك الإنجاز مجرد جائزة، بل لحظة اعتراف داخلي بأن الفن لم يعد هواية عابرة، بل هوية راسخة وجزء لا يتجزأ من تكوينها النفسي واليومي.
في تجربتها التشكيلية، تضع فاطمة المرأة في مركز اللوحة، لا بوصفها شكلاً جمالياً فقط، بل كحالة إنسانية مشحونة بالصراع والأسئلة. تركّز أعمالها على التناقض القائم بين الطاقة الحيوية للمرأة والقيود الاجتماعية التي تحاصر حركتها، مستلهمةً ذلك من الواقع العراقي بما يحمله من تعقيد وتباينات حادة. ولترجمة هذا الصراع بصرياً، تميل إلى الأسلوب التجريدي، مع اعتماد تباين لوني واضح؛ حيث تظهر المرأة بألوان زاهية ومضيئة أمام خلفيات داكنة، في محاولة لتجسيد الجمال بوصفه فعلاً مقاوماً للعتمة، لا مجرد عنصر جمالي.
مشاركة متميزة
ورغم النجاحات المبكرة والتكريمات التي حصدتها، بما فيها كتب شكر لمشاركاتها المتميزة لعامين متتاليين، ومشاركتها في معرض إلكتروني عام 2019، لم تكن مسيرتها خالية من التحديات. فترات الركود وغياب النشاطات الفنية الرسمية شكّلت اختباراً حقيقياً لطموحها، إلا أنها واجهتها بالعودة إلى الذات، معتمدة على تطوير أدواتها الفنية بشكل مستقل.
تقول فاطمة إن سقف طموحها العالي كان التحدي الأكبر، لكنها تعاملت معه عبر ما تسميه “التغذية البصرية”، متأثرة بفلسفة ليوناردو دافنشي القائلة: “أنظر كثيراً، وارسم قليلاً”. هذه المنهجية فتحت أمامها آفاقاً جديدة، وأكسبتها مهارة في الرسم الزيتي، والأكريليك، والفحم، إضافة إلى البورتريه، في مسعى للتحضير لمنصات فنية تليق بما تطمح إلى تقديمه.
وعن واقع المرأة العراقية في المشهد التشكيلي، ترى فاطمة أن (الصورة ما زالت متباينة. فبينما توجد أسماء رائدة تركت بصمتها بوضوح، إلا أن جزءاً كبيراً من الجيل الشاب بات منجذباً إلى “التريند” والأعمال السريعة ذات الطابع الاستهلاكي). وتعتقد أن (المساحات التي تحتضن الفن التعبيري العميق، الحامل لرسالة إنسانية وفكرية، لا تزال محدودة، ما يستدعي إعادة النظر في طريقة تعامل المجتمع مع الفن، بوصفه قيمة فكرية وثقافية، لا مجرد عنصر تزييني).
في هذا السياق، تسعى فاطمة إلى ترسيخ حضور المرأة كقوة إبداعية واعية، تمتلك بصمتها الخاصة بعيداً عن منطق السوق والاستهلاك التجاري، معتبرة أن الفن الحقيقي هو ذلك القادر على طرح الأسئلة، لا الاكتفاء بإرضاء الذائقة السطحية.
على الصعيد الشخصي، تؤكد الفنانة الشابة أن الاستقرار الأسري شكّل حجر الأساس في دعم مسيرتها. فمن تشجيع عائلتها في طفولتها، إلى المساندة الكبيرة التي تحظى بها اليوم من زوجها، وجدت نفسها في بيئة آمنة تسمح للإبداع بأن ينمو. ورغم مسؤوليات الأمومة ووجود طفلين، لم تتخلَّ عن هويتها الفنية، بل تحرص على تخصيص وقت تعتبره “مقدساً” لذاتها ولمشروعها الفني، إيماناً منها بأن توازنها النفسي لا يكتمل إلا بممارسة شغفها. أما عن طموحاتها المستقبلية، فتعمل فاطمة على بناء مشروع فني طويل الأمد. تحلم بإقامة معرضها الشخصي عند بلوغها سن الثلاثين، ليكون خلاصة تجربة ناضجة تمزج بين التشكيل والتجريد، بروح عراقية حديثة تعكس طبقات المجتمع وتحولاته. وبالتوازي مع ذلك، تخوض تجربة أدبية جديدة عبر كتاب تعمل على إصداره العام الجاري، يتناول “الفلسفة المبسطة” بوصفها جسراً يربط بين الفن والفكر. ويبقى حلمها البصري الأبرز لوحة تجريدية لامرأة عراقية شامخة، تنفض عن ثوبها الغبار لتتفجر بالألوان، في صورة تختزل الأمل المستمر في قلب بغداد، وتؤكد أن الفن، مهما اشتدت العتمة، يظل قادراً على الإضاءة.