فقدان رجل
عبد المحسن عباس
فقدك الكثير.. وهذه غزة وفلسطين تنزف دماً بعد أكثر من خمسون عاما على وفاة الزعيم العربي جمال عبد الناصر أصبح الانتماء العربي تهمة يحاسب عليها المواطن العربي بشكل عام، ومواطنو الأنظمة التي جرت فيها تغييرات سياسية وفكرية واجتماعية بواسطة الاحتلالات.. ففي العراق بعد الغزو اصبح الحديث عن انتماء العراق وهويته العربية رغم أن غالبية الشعب التي تمثل (85 بالمئة) من السكان هم من العرب، أشبه ما يكون بالغرابة لدى السياسيين الحكام، وصار الانتماء للعروبة وقواها السياسية يطلق عليهم (القومجية) وكأن العروبة مسؤولة عن اسقاطات الأنظمة وعبثية سياساتها وممارستها الجائرة، علماً أن القوى والتشكيلات والأحزاب العروبية في العراق كانت من أولى القوى السياسية التي تعرضت للاعتقالات والملاحقات والتصفيات والتشريد بسبب مواقفها، وفي الفترة ما بين الغزو واستلام السلطة صعدت الكثير من التشكيلات الاسلامية والعرقية والمناطقية لم تتمكن من وحدة الشعب العراقي، وصار التناقض على اساس المذهبية والمناطقية والعرقية واحدا من اهم أسباب وصول هذه الأطراف الى السلطة، في حين كان النهج العروبي جامعاً لكل فصائل المجتمع، وما يحصده الان العراق من خيبة امل في الوحدة الوطنية وفي البناء والاعمار وتحقيق الحدود الدنيا من مصالح الناس، هو نتيجة منطقية لتلك السياسات والمواقف.. لقد كان جمال عبد الناصر واضحاً من المسألة الكردية، التي كانت واحدة من اهم انشغالات الشعب العراقي تضامنا مع الكرد في انجاز الحقوق ضمن الدولة العراقية، واستقبل في تلك المرحلة الزعيم الكردي مصطفى البارزاني داعياً معه الى تحقيق الحكم الذاتي للأكراد ووقف العمليات العسكرية في شمال العراق، وكانت العديد من القيادات الكردية ومنهم الزعيم جلال طالباني تربطه علاقات وطيدة بالحركات والمنظمات العربية منها الحركة الاشتراكية العربية بجناحيها عبد الاله النصراوي والمرحوم هاشم علي محسن وبقيادات عروبية لبنانية وسورية وغيرها في دول المنطقة وخاصة في جنوب اليمن وشماله، اذن النهج العروبي لم يكن طائفيا ولا مناطقيا، وان الممارسات السياسية القسرية للأنظمة لا تمثل جوهر وشكل الموقف العروبي، وهذا كان واحدا من أسباب الهجمة على العروبة وعلى سياسات ومواقف عبد الناصر، المنطقة العربية بعد رحيل الرائد جمال عبد الناصر فقدت هيبتها وحضورها السياسي والجغرافي والوطني والعروبي، واصبحت الصراعات القطرية والانحيازات الخارجية من أولوياتها، وصارت التحالفات الجزئية ضد البعض الآخر تدخلاً للتدخلات الاقليمية والدولية، وبالنسبة للجامعة العربية لم تكن هي التي انشئت على اساسه، بل اصبت جزء من الاشكالية ولست ضامنة للعلاقات العربية- العربية، وما حدث ضد الجمهورية العربية السورية وضد الجمهورية الليبية وضد فلسطين من ابرز سمات تراجعها وافولها، وهناك احاديث حول تشكيل البديل الشرق اوسطي للجامعة العربية، الوضع العربي الان هو اسوء حالاته، والخلافات والصراعات بين دوله، يشكل مقدمة محزنة لحالات التشرذم القادمة، وهذا الوضع بالضرورة يفرح ويخدم الحركة الصهيونية والدول الداعمة لها، والوقائع تؤكد عندما تغادر المنظومة العربية منهجيتها الوطنية وانتماءاتها العربية فأنها تصبح عرضة للتفكك، وفي هذا الوقت كان العدوان الثلاثي العسكري الاستعماري ضد مصر بسبب نهجها العروبي في عهد عبد الناصر كما يحدث اليوم العدوان السياسي ضد العروبة ومفاهيمها. وغزة اطفالها ونسائها وشبابها وشيوخها تحت الانقاض ومن الاطفال بترت ساقيه ويديه وكذلك الشباب من هو المسؤول عن هذا ورؤساء الدول العربية يضحكون وكان الامر لا يعينهم والحديث يول ويطول واقول يا أسفي.