الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
القوى المعادية تخطط، وردود الفعل غريزية

بواسطة azzaman

القوى المعادية تخطط، وردود الفعل غريزية

ضرغام الدباغ

 

كانت منطقة (شرق المتوسط) قد شهدت بعد حرب الخامس من حزيران/ 1967، هبوب حركات سياسية ثورية / راديكالية، تحولت فيها أحزاب سياسية إلى الكفاح المسلح، مثل: البعث، وحركة القومين العرب، الحركات القومية عامة، وقيام منظمة التحرير الفلسطينية بتوجهات قومية لا دينية، وكانت قومية المعركة تشخيصاً سليماً لأبعاد الصراع العربي / الصهيوني، وحتى تلك الشخصيات القيادية التي كانت لها توجهات إسلامية، جنحت إلى العمل القومي باعتباره أكثر فاعلية، وأكثر أنتشاراً وعابراً للوطنية والدينية، وتضمن بذلك الجبهة العريضة المساندة، كقوى مقاتلة، أو مساندة، وبالطبع هذا لم يفت الدوائر المناوئة، فراح محللوها يضعون الخطط المعاكسة لإفراغ حركة التحرر من هذه الشحنات. لدى الجهات الغربية، كل التيارات محتملة إلا النضال القومي.

كان تنشيط التيار الديني واحدة من أساليب التفجيرات الداخلية من المعسكر الذي بقي متماسكاً بدرجة ما إلى عام 1971، وحين بدت خطورة هذا المعسكر كثرت الأطراف التي تريد بث الألغام وتنشيط أعمال المخابرات، ووضعت قوائم للاغتيالات، سياسيين / قادة، مناضلون ثوريون، كتاب قوميين / تقدميين، رجال دولة وطنيين، صحفيين، وبدأت صناعة الافخاخ تنشط، ولا يخلو الأمر من أخطاء كثيرة دبت في صفوف معسكر الثورة، ولكن العملية كانت قد اتخذت مسارات قوية في التنفيذ، والفقرة الأهم في هذا المخطط تمثلت، بتنشيط الخط السياسي الديني الذي سيقود إلى إنقسامات طائفية، وإلى تحسسات دينية، وإلى تكتلات عرقية، وغلو في الدين سوف لن يوصل لنتائج حميدة، وهذا سيقود إلى عناصر ضعف في المجتمعات العربية التي تشهد تبلورات ثورية، وذهب ضحية هذه الخطط قادة مهمون في ساحات الوطن العربي، في السودان واليمن (الحنوبي) وفلسطين، ولبنان وسورية. خسائر كبيرة دون أن ننتبه لمغزى هذه المخططات. وتواصلت ردود فعلنا عاطفية/ حماسية، غريزية. ادنى من مستوى القياسات العلمية.

الغرب توصل مبكراً إلى هذه النتيجة، وباشر بخطط طويلة الأمد بإحلال التيارات الدينية وتشجيعها، بل وأعتبرها كجدار ومصد للتيارات الاشتراكية والاجتماعية التقدمية، ليس في منطقتنا العربية فحسب، بل وفي بؤر عديدة في العالم: بولونيا، إيران تشجيع خفي وعلني للتيار الكهنوتي، وتنصيبه في قيادة الثورة الشعبية المعادية للنظام الشاهنشاهي، جنوب افريقيا في مرحلة الانتقال من نظام الفصل العنصري، وكان إيصال نظام الملالي الطائفي لسدة الحكم، والذي سيغرق المنطقة في صراعات دموية لا طائل منها، وفي إطار سياسة تصفية، وتولى دعم الحركات الدينية (الجهادية) بالمال والسلاح، والدعم الاستخباري، فالغرب البراغماتي يفعل حيثما ما تلوح له مصلحة، وهكذا في هذا الاطار أوصل الملالي للحكم في طهران. ولذلك كان لابد من تصفية النظام الوطني العراقي، واغتيال القائد الفلسطيني الذي أستطاع جمع كلمة الفلسطينيين بكلمة وقرار واحد، وتصفية القائد معمر القذافي. وتصفية القائد الوطني التقدمي كمال جنبلاط، وتشيع قيادات دينية لشق العمل الوطني(الهجري مثالاً )ومن نتائج التصفيات، أن بلغت تجمعات كمؤتمر القمة العربي غير قادر على أتخاذ قرارات مهمة، فعواصم عدة دول عربية كانت في الواقع تحت الاحتلال أو كانت تحت ضغوط خارجية.

ولكن الحركات الدينية الجهادية (السنية بوجه خاص) أظهرت بعضها خروجا عن الطاعة في أفغانستان، والصومال، واليمن، وفلسطين، فهنا قررت الجهات الاستخبارية تنفيذ خطة كانت تعد تفاصيله له منذ زمن بعيد يعمل على المزيد من شرذمة المنطقة، لكي لا تواجه الولايات المتحدة، وخندقها الامامي (الكيان الصهيوني)، وهو اقتلاع العرب السنة من شرقي المتوسط، أو إضعافهم بشتى السبل، وهنا طرح الفرس انفسهم مع إسرائيل كبلدوزر لهذا المشروع الطائفي / العنصري مستخدمين كافة وسائل التخريب الثقافي والنظري / كمتطلبات لهذه الحملة.

هنا كان لابد تشجيع نظام الأسد في سوريا وغض النظر عن مجازرهم وجرائمهم وفسادهم، وتطوعت طهران باختلاق حزب الله اللبناني، لكبح جماح منظمة التحرير الفلسطينية، وسحق قواها المسلحة، وبالمقابل تشجيع حركة إسلامية في فلسطين، وغيرها، وقلب النظام الوطني في العراق، ولم يتضح لمن هو مصاب بقصر النظر إن هذه التحركات ما هي إلا مشروع إبادة للقضية الفلسطينية، وتدمير للمصالح القومية والأمن العربي.

لاحظوا كيف جندوا الأقليات، الدينية والعرقية، وسلخوها من محيطها وألحقوها بمفردات وفقرات الامن الإسرائيلي والإيراني، وغدا واضحاً لمن مصاب بتشوه في الرؤية ومع تطورات مثيرة لتفاعل الأحداث، أتضحت كافة أبعاد الخارطة. وهنا نعلم جيداً لماذا اغتيل القائد القومي التقدمي كمال جنبلاط لأنه يغرد خارج المخطط، جنبلاط ، لماذا اغتيل الحريري، لأنه يؤسس لمجتمع مدني لا ديني قومي وطني في لبنان، ولماذا أغتيل وجمال عبد الناصر وصدام حسين، وياسر عرفات، وعلي عبد الله صالح، وعبد الفتاح إسماعيل، ومعمر القذافي، وهذا تأييد علني وسري يرافقه زرع سرطان حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن ...فكان لابد من إزاحته، ولهذا قتل الوزير بيار الجميل، وجورج حاوي، سمير قصير، ورجال حكم وسياسة مؤثرون في لبنان، وأجتاحت موجة اغتيالات، قتل فيها المعتدلون، في الشأن الفلسطيني والعربي عامة، فالمطلوب تسريع الخطى والهرولة بأتجاه التكتلات الدينية والعنصرية وإغراء مكونات وطنية بأن تكون مكسر عصا وحرق كل من يقف بوجه خارطة طريق المصالح الأمريكية .فالولايات المتحدة كانت مقتنعة أشد الاقتناع بالهلال الشيعي، كسبيل لخلق أكثر من إسرائيل في الشرق الأوسط،  للقضائ على كافة مظاهر النهوض العربي.

ما هي أبرز العلامات في خارطة المصالح الأمريكية

ممنوع منعاً باتا أن تتعارض مصالحك الوطنية والقومية مع المصالح الامريكية.

ممنوع منعاً باتاً أن يكون لديك جيشاً قويا يمكن أن يؤثر على فعالياتنا.

ممنوع منعاً باتاً أن تطور اقتصادك الوطني بما يجعلك خارج سيطرتنا.

 

وخلال عقد واحد من السنين، انقلبت صورة الموقف : 1967 إلى 1976 تراجعات، واغتيالات، وحروب أدت إلى انقلاب مدهش مهد لكمب ديفيد، ولكن ما يصلح على الورق وفي التقارير، ليس بالضرورة أن يصلح للواقع الموضوعي، وهذا خطأ شائع يقع فيه من يفتقر للقدرة على التحليل العلمي المادي، ولفهم خصائص ونكهة الواقع الموضوعي، ويقع في الأوهام والأخطاء، ويرقد مشروعه على سرير الانعاش يلفظ أنفاسه الأخيرة. كان عليه أن يفكر بحقائق واحصاءات واقعية يتجاهل حيالها مزاجه الشخص، (وهي معطيات تقدما لك مراكز البحوث)، وليفكر:

هل من مصلحته شن حروب العداء ضد المسلمين وهم ما يقرب 2 مليار نسمة

هل من مصلحته شن حروب العداء ضد العرب وهم ما يقرب 750 مليون نسمة ..؟

هل من مصلحته أن يعادي كتل بشرية بهذا الحجم، ويخسر صداقتها وقدراتها الاقتصادية ...؟

أثبت الواقع الموضوعي، أن مهما رصد من قدرات، فمن غير الممكن تحويل الصغير إلى عملاق، والعارضي إلى جوهري، والقوة الطارئة إلى حقيقة تاريخية، وأن القوى الطارئة ستلجأ إلى التلاعب بميزان القوى (وهو سجال معروف تلجأ إليه القوى الصغيرة في إقامة توازنات بين القوى العظمى).

 

هذه تشخيصات لأحداث واقعية لا يستطيع أحد تجاهلها، وضعناها في سياق فهمها التاريخي العلمي، ولكن، ليس كل ما يريده المعسكر الأسود يحصل عليه، وسوف يواجهون الفشل في ختام مساعيهم .. ومن يفكر بعمق ويخلص للنتائج التي يصلها سيكسب بالتأكيد .. ويوفر على نفسه الوقت والجهد وتكاليف التجربة المرة ...!

حامل بندقية القنص، ما عليه بهذه التفاصيل، هو مكلف بالخطوة الأخيرة في العملية (س) وهي إزاحة الشخص الذي يعرقل تنفيذ الخطة ....! وقد يلعب دور القناص جنرال، أو جاسوس بلغ المراتب القيادية في بلاده، أو ملا (رجل دين)، وعند من يتولى هتك السواتر، تكلفه المعرفة تجارب حياته المضنية المتعب، وأن يضع خبرته في خدمة شعبه ستكلفه الكثير ....


مشاهدات 42
الكاتب ضرغام الدباغ
أضيف 2026/05/25 - 3:26 PM
آخر تحديث 2026/05/26 - 1:12 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 98 الشهر 25147 الكلي 15870341
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/5/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير