الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فرانكشتاين.. مرآة الإنسان الحديث بين قلق الخلق واغتراب المعنى


فرانكشتاين.. مرآة الإنسان الحديث بين قلق الخلق واغتراب المعنى

عصام البرّام


حين نشرت ماري شيلي رواية فرانكشتاين في مطلع القرن التاسع عشر لم تكن تكتب حكاية رعب عابرة ولا تسلية قوطية تعتمد على الإثارة وحدها، بل كانت تضع لبنة تأسيسية في صرح الرواية العالمية الحديثة، لبنة ظل صداها يتردد عبر قرنين من التحولات الفكرية والجمالية، حتى غدت الرواية نصاً مفتوحاً قابلاً لإعادة القراءة والتأويل وفق أسئلة كل عصر. فرانكشتاين ليست رواية عن وحش بقدر ما هي رواية عن الإنسان، عن رغبته العمياء في المعرفة، وعن الخوف الذي يولده حين يتجاوز حدوده دون وعي أخلاقي أو مسؤولية وجودية.

الأثر الأدبي العالمي لفرانكشتاين يتجلى أولاً في كونها جمعت بين الخيال العلمي الناشئ آنذاك والبعد الفلسفي العميق، فوسعت من أفق الرواية وأخرجتها من إطار الحكاية الواقعية البحتة إلى فضاء الأسئلة الكبرى. لقد مهدت الطريق أمام أعمال لاحقة تناولت العلاقة بين العلم والأخلاق، وبين التقدم والتدمير الذاتي، وهي ثيمات ستصبح لاحقاً مركزية في الأدب العالمي، من روايات الديستوبيا إلى نصوص ما بعد الحرب العالمية الثانية التي أعادت مساءلة فكرة العقلانية الغربية.

تأثير فرانكشتاين على الرواية العالمية لا يقتصر على موضوعها بل يمتد إلى بنيتها السردية، فاعتمادها على تعدد الأصوات وتداخل الرسائل والسرد الذاتي منحها بعداً حداثياً سابقاً لزمانه. هذه التقنية جعلت الحقيقة نسبية ومتكسرة، لا تُروى من زاوية واحدة، وهو ما سيصبح لاحقاً سمة أساسية في الرواية الحديثة. القارئ لا يتلقى حقيقة نهائية، بل يجد نفسه محاصراً بوجهات نظر متعارضة، فيضطر إلى بناء موقفه الخاص، وهذه المشاركة التأويلية هي جوهر الحداثة الأدبية.

أما البعد النفسي في الرواية فيُعد من أكثر جوانبها عمقاً وإثارة. شخصية فيكتور فرانكشتاين ليست مجرد عالم مجنون، بل نموذج للإنسان الحديث الذي يطارده هوس الإنجاز والسيطرة. قلقه، شعوره بالذنب، خوفه من نتائج فعله، كلها عناصر تكشف عن نفس ممزقة بين الطموح والخوف، بين الرغبة في الخلق والرعب من المخلوق. هذا الصراع الداخلي يجعل الشخصية قريبة من القارئ المعاصر الذي يعيش بدوره تناقضات مشابهة في عالم سريع التغير.

الوحش نفسه، الذي غالباً ما يُختزل في صورته المرعبة، يحمل عمقاً نفسياً ودلالياً لا يقل أهمية. إنه كائن وُلد بلا ذنب، ثم دُفع إلى العنف بسبب الرفض والإقصاء. هنا تتحول الرواية إلى تأمل في مسألة الآخر، في كيفية صناعة الشر اجتماعياً، وفي مسؤولية المجتمع عن تشويه الفرد. الوحش ليس نقيض الإنسان، بل انعكاس مظلم له، مرآة تكشف قسوته حين يعجز عن التعاطف. هذا البعد الإنساني العميق جعل من الشخصية رمزاً يتجاوز حدود النص ليصبح أيقونة ثقافية عالمية.

الدلالات الرمزية في فرانكشتاين متعددة الطبقات، فهي رواية عن الخلق بمعناه الميتافيزيقي، وعن التمرد على الطبيعة، وعن السؤال الأزلي المتعلق بحدود المعرفة. لكنها أيضاً نص يمكن قراءته بوصفه نقداً مبكراً للحداثة نفسها، تلك الحداثة التي بشرت بالتقدم والعقل لكنها تجاهلت الجانب الأخلاقي والروحي للإنسان. في هذا السياق تبدو الرواية وكأنها تنبؤ مبكر بأزمات العالم الحديث، من اغتراب الإنسان إلى فقدان المعنى.

علاقة فرانكشتاين بالحداثة تتجلى في تركيزها على الفرد، وعلى العقل العلمي، وعلى فكرة السيطرة على العالم عبر المعرفة. لكنها في الوقت نفسه تكشف الجانب المظلم لهذه الحداثة، حيث يتحول الإنسان إلى مشروع ناقص، وتتحول إنجازاته إلى مصادر قلق. هنا تلتقي الرواية مع أسئلة الفلاسفة اللاحقين الذين شككوا في مركزية العقل وفي وهم التقدم الخطي. ماري شيلي لم ترفض العلم، لكنها حذرت من علم بلا أخلاق، ومن معرفة منفصلة عن المسؤولية.

في سياق ما بعد الحداثة تكتسب فرانكشتاين حياة جديدة، إذ يمكن قراءتها كنص يشكك في السرديات الكبرى، سواء كانت سردية العلم أو سردية الخلاص عبر التقدم. الرواية تفضح هشاشة هذه السرديات عبر نهايتها المفتوحة وعبر المصائر المأساوية لشخصياتها. لا يوجد بطل منتصر، ولا حقيقة مطلقة، بل شبكة من الأخطاء والرغبات المتصادمة. هذا التفكيك يجعل النص قريباً من روح ما بعد الحداثة التي تحتفي بالتعدد والشك وتعيد النظر في المسلمات.

في المرحلة الراهنة، حيث يتسارع التطور التكنولوجي وتطرح أسئلة الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية، تبدو فرانكشتاين أكثر راهنية من أي وقت مضى. القارئ المعاصر يجد نفسه أمام نص يحاوره مباشرة، يسأله عن حدود الابتكار، وعن المسؤولية الأخلاقية للمبدع، وعن مصير الكائن الذي نصنعه ثم نتخلى عنه. الرواية هنا لا تُقرأ كأثر كلاسيكي جامد، بل كنص حي يتجدد مع كل قراءة.

العمق الدلالي للرواية يكمن في قدرتها على احتواء تناقضات الإنسان، فهي لا تقدم إجابات جاهزة، بل تفتح جراح الأسئلة. هذا ما يفسر استمرار حضورها في النقد الأدبي وفي الثقافة الشعبية وفي الفلسفة. فرانكشتاين ليست فقط نصاً مؤسساً، بل تجربة فكرية وجمالية تضع القارئ أمام ذاته، وتدعوه إلى تأمل علاقته بالعلم وبالآخر وبالمسؤولية.

من هنا، يمكن القول إن فرانكشتاين تجاوزت زمنها لتصبح نصاً عابراً للعصور، نصاً يقيم جسراً بين الرومانسية والحداثة وما بعدها، ويؤكد أن الأدب العظيم هو ذاك الذي يظل قادراً على مساءلتنا مهما تغيرت الأزمنة. إنها رواية عن الخلق، نعم، لكنها قبل كل شيء رواية عن الإنسان حين يواجه نتائج أفعاله، وحين يكتشف أن أعظم وحوشه قد تكون تلك التي صنعها بيديه.

إضافة إلى ما سبق يمكن تعميق قراءة الرواية عبر التوقف عند بعدها الأسلوبي والجمالي، إذ إن لغة ماري شيلي نفسها تشكل جزءاً من الأثر الأدبي العالمي لفرانكشتاين. فاللغة تجمع بين النفَس الرومانسي الذي يحتفي بالطبيعة والمشاعر، وبين نبرة تأملية قاتمة تعكس توتر العقل الحديث. الطبيعة في الرواية ليست مجرد خلفية للأحداث، بل عنصر دلالي أساسي، فهي الملاذ الذي يلجأ إليه فيكتور هرباً من شعوره بالذنب، وفي الوقت نفسه مرآة لعواصفه الداخلية. هذا التداخل بين الداخل النفسي والخارج الطبيعي يمنح النص بعداً شعرياً يرفع الرواية من مستوى الحكاية إلى مستوى التجربة الوجودية.

كما أن البعد الأخلاقي في فرانكشتاين يفتح المجال لقراءة اجتماعية وسياسية معاصرة. فالعلاقة بين الخالق والمخلوق يمكن إسقاطها على علاقات السلطة في العالم الحديث، حيث تُنتج الأنظمة كائناتها الهشة ثم تتنصل من مسؤوليتها تجاهها. في هذا المعنى يتحول الوحش إلى رمز للمهمشين والمنبوذين، أولئك الذين يُدفعون إلى العنف لا بفعل طبيعتهم بل بفعل الإقصاء. هذا التأويل يجعل الرواية وثيقة أدبية قابلة للحوار مع قضايا العدالة الاجتماعية والهوية والاختلاف في عالم اليوم.

ولا يمكن إغفال حضور سؤال الهوية في الرواية، وهو سؤال محوري في الأدب الحديث وما بعد الحداثي. الوحش يبحث عن تعريف لذاته، عن اسم، عن مكان في العالم، لكنه لا يجد سوى الرفض. هذا القلق الوجودي يتقاطع مع أزمة الإنسان المعاصر الذي يعيش في عالم متشظي الهويات، عالم تتآكل فيه المرجعيات الثابتة. هنا تبرز فرانكشتاين كنص سابق لعصره، إذ تضع القارئ أمام معضلة الوجود دون انتماء، ودون اعتراف.

من زاوية نقدية أخرى يمكن النظر إلى الرواية بوصفها نصاً ميتاسردياً يتأمل فعل الكتابة نفسه. ففكرة الخلق لا تقتصر على الخلق العلمي، بل تمتد إلى الخلق الأدبي. ماري شيلي، بوصفها كاتبة شابة في عالم أدبي يهيمن عليه الرجال، تطرح سؤالاً ضمنياً عن سلطة الخالق وحدودها، وعن مسؤولية الكاتب تجاه شخصياته ونصه. هذا الوعي الذاتي بفعل الإبداع يربط الرواية بنقاشات الحداثة حول دور الفن ووظيفته.

في ضوء كل ذلك تبدو فرانكشتاين نصاً لا ينتمي إلى زمن واحد، بل يتحرك بين الأزمنة، يعيد تشكيل نفسه مع كل قراءة جديدة. توسعها الدلالي، وثراؤها النفسي، ومرونتها التأويلية، تجعلها واحدة من أكثر الروايات قدرة على الصمود في وجه النسيان. إنها ليست فقط علامة فارقة في تاريخ الرواية العالمية، بل نص مفتوح يواصل مساءلتنا حول معنى أن نكون بشراً في عالم نصنعه بأيدينا ثم نخاف من نتائجه.

 


مشاهدات 53
الكاتب عصام البرّام
أضيف 2026/01/31 - 12:43 AM
آخر تحديث 2026/01/31 - 2:33 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 104 الشهر 23513 الكلي 13930936
الوقت الآن
السبت 2026/1/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير