سياسة خفض الحرارة.. العراق بين فلسفة الاحتواء وتاريخ التدخّلات
عطا شمیراني
في خضمّ التحوّلات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبرز قرار تغيير السقوف السياسية وتكليف توم باراك بملف العراق بوصفه خطوة لافتة، لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق إقليمي بالغ التعقيد، تتقاطع فيه التوترات العسكرية، والضغوط الاقتصادية، وإعادة ترتيب الأولويات الأمريكية في الشرق الأوسط. والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: هل نحن أمام تكتيك ظرفي لإدارة اللحظة، أم ملامح استراتيجية بعيدة المدى لإعادة ضبط الدور الأمريكي؟
ظاهريًا، يبدو القرار أقرب إلى التكتيك منه إلى المشروع المتكامل. فالعراق يقف اليوم عند مفترق طرق حاد: انسداد سياسي داخلي، تصاعد نفوذ الفصائل المسلحة، ضغوط أمريكية متزايدة، وتحولات إقليمية تفرضها الحرب في غزة، والتوتر الإيراني–الأمريكي، وإعادة رسم خرائط النفوذ في سوريا ولبنان. في مثل هذا المناخ المضطرب، تميل واشنطن إلى الاعتماد على شخصيات بارعة في إدارة التوازنات، لا في إحداث القطيعات الكبرى، وهو ما ينطبق إلى حد بعيد على شخصية توم باراك.
فباراك ليس رجل ملفات تقليدية، بقدر ما هو رجل علاقات ومصالح وشبكات نفوذ اقتصادية وسياسية. تكليفه يوحي بأن المقاربة الأمريكية تجاه العراق قد تنتقل، ولو مرحليًا، من منطق “الضغط السياسي المباشر” إلى منطق “احتواء التناقضات”، أي إدارة الأزمة بأقل كلفة ممكنة، ومنع انفجارها في توقيت إقليمي شديد الحساسية. وهذا بحد ذاته يعكس طبيعة تكتيكية، هدفها شراء الوقت وتهدئة الساحات، لا حسم الصراعات أو إعادة هندسة المشهد السياسي.
غير أن الاكتفاء بهذه القراءة يبقى قاصرًا. ففي العمق، لا يمكن تجاهل البعد الاستراتيجي المحتمل لهذا التحرك. فالولايات المتحدة، بعد سنوات من التردد والانسحاب النسبي، تدرك أن ترك الساحة العراقية كفراغ مفتوح لم يعد خيارًا آمنًا. فالعراق ليس دولة هامشية في المعادلة الإقليمية؛ بل هو عقدة جيوسياسية تربط إيران بالخليج وتركيا وسوريا، وأي اختلال فيه سرعان ما ينعكس على مجمل الإقليم.
من هذا المنظور، قد يكون تكليف باراك جزءًا من إعادة تعريف الدور الأمريكي نفسه: من لاعب مباشر ومكشوف إلى “مدير مسارات” يعمل خلف الكواليس، ينسّق، ويمارس الضغط الناعم، ويستخدم أدوات الاقتصاد والعلاقات السياسية بدل الأدوات العسكرية التقليدية. هنا، يصبح تغيير السقوف السياسية مؤشرًا بالغ الدلالة.
فالرسائل الأمريكية لم تعد تُصاغ بلغة حاسمة حول “إصلاح النظام السياسي” أو “تفكيك منظومات الفساد”، بل باتت تركز على مفردات مثل “الاستقرار”، و“منع التصعيد”، و“حماية المصالح”. هذا التحوّل في الخطاب يعكس إدراكًا متزايدًا بأن العراق الراهن لا يُدار بمنطق الطموحات القصوى، بل بمنطق تقليل الخسائر. وهنا يتقاطع التكتيك مع الاستراتيجية: تكتيك في الوسائل، واستراتيجية في الهدف النهائي، قوامها إبقاء العراق ضمن هامش السيطرة غير المباشرة.
لكن نجاح هذه المقاربة يظل مرهونًا بعوامل داخلية عراقية شديدة التعقيد. فمهما بدا التكليف ذكيًا، فإنه يصطدم بواقع سياسي مأزوم، تعاند فيه قوى الإطار التنسيقي أي تغيير حقيقي، وتتعامل مع الضغوط الخارجية بعقلية كسب الوقت لا بعقلية الإصلاح. كما أن الشارع العراقي، الذي خبر الوعود الدولية المتكررة، بات أكثر تشككًا إزاء أي تحرك خارجي لا يترجم إلى نتائج ملموسة.
في المحصلة، يمكن القول إن تكليف توم باراك يمثل تكتيكًا بواجهة استراتيجية: خطوة قصيرة المدى لإدارة التوتر، لكنها مندمجة في رؤية أطول تهدف إلى إعادة تثبيت النفوذ الأمريكي بأدوات أقل صخبًا وأكثر مرونة. والسؤال الحقيقي لا يكمن في التمييز بين التكتيك والاستراتيجية، بل في قدرة العراق نفسه على تحويل هذا التحرك إلى فرصة سياسية، بدل أن يبقى ساحة تُدار من الخارج وفق إيقاع الأزمات.
في منطقة تحترق على أكثر من جبهة، يبدو أن واشنطن اختارت في العراق سياسة “خفض الحرارة لا تغيير النظام”. أما النتائج، فستظل مرهونة بقدرة الداخل العراقي على كسر حلقة التعطيل، قبل أن يتحول هذا التكتيك الأمريكي إلى إدارة دائمة للأزمة… لا أكثر.