التشيّع المُختطَف وفِقهْ الخيانة الوطنية
حيدر صبي
لم تكن مشكلة الشيعة العراقيين في مذهبهم ، انما في تشويه هذا المذهب عبر ادخال السياسة عنوة فيه حتى تحوّل عند بعضهم إلى مبرر للخراب وغطاء للتبعية وذريعة للصمت عن نهب الوطن ، فأخطر ما ضُخّ في الوعي الشيعي العراقي هو إقناعه بأن العراق جغرافية ملاذ لا اكثر ، وأن الهوية المذهبية تكفي وأن “ المشروع المذهبي والحفاظ عليه ” أهم من الدولة ، بمعنى ووفق رؤيتهم اصبح المذهب الجعفري لا تحدّه الجغرافيا خصوصاً ان كانت تلك الجغرافيا عراقية !! .
تلك الرؤى والأفكار لم نقرأ عنها في أفكار آل بيت الأئمة الأطهار ، انما وجدناها اطاريح تناولها ارباب الفقه السياسي الشيعي قبل ثمانين سنة تقريباً وهي افكار دخيلة صيغت لتتناغم مع ماتطرحه ولاية الفقيه من ثمانينيات القرن الماضي من افكار ومن مبدأ تصدير الثورة التي اعلن عنه بعد قيام الجمهورية الاسلامية في ايران .
هذا الإمام جعفر الصادق وهو مرجع التشيّع الأكبر ينسف هذا المنطق من جذوره حين يقول :
« العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء ثلاثتهم » . بهذا النص الصريح لا يبقى مكان لفقه التبرير ولا لحياد الجبن ولا لصمت المتواطئ لمن يبرر سرقة العراق أو يسكت عن اختطاف قراره أو يرضى بتحويله ساحة نفوذ ، فحسب المعنى هو شريك في الجريمة بنص الإمام لا ضحية ولا مغلوب على أمرها . ثم يحسم الصادق " ع " مسألة الانتماء بلا مواربة ، حين يقول : « ليس من شيعتنا من ظلم الناس » . فأي تشيّع هذا الذي يبرر ظلم العراقي للعراقي ؟ وأي مذهب ذاك الذي يُستخدم لتبرير فسادٍ ينهش التعليم والصحة والاقتصاد ؟ ، فالتشيّع عند أهل البيت سلوك وعدالة لا طقوس ولا شعارات ولا اصطفاف أعمى .
أما الذين يرفعون راية “المهم أنه شيعي” فيسقطهم الإمام الصادق بقاعدة أخلاقية قاطعة يأتي في نصها ؛ « من أحبّ عمل قوم أُشرك في عملهم » . اي من أحبّ نهب المال العام ومن رضي بتدمير مؤسسات الدولة ومن صفق لهيمنة الخارج على القرار الوطني فهو شريك كامل في هذا العمل ( الإجرامي ) مهما احتمى بالعمامة أو اختبأ خلف مفردات المقاومة الفضفاضة .
الإمام علي عليه السلام المؤسس للدولة العادلة لم يبني دولته على اساس طائفي ولم يمايز بين الناس وفق معيار الغنى والفقر ولا حتى من حيث اعتناق الإسلام من عدمه ولهذا وجدناه يرسي قاعدة حكمه من خلال ما عهد به لمالك الأشتر « الناس صنفان : إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق » .
هذه هي الدولة عند علي تقوم على اساس المواطنة والعدل وتحمل المسؤولية ، فهو لم يقل “ شيعتي أولى ” ولم يطلب ولاء مذهبي عابر للحدود ، وبهذا النص وحده كان قد اسقط الدولة العقائدية بمعنى انه اسقط ما هو معروف في زمننا اليوم ب ( ولاية الفقيه ) التي ترى المجتمعات ساحات نفوذ وتمدد شيعي مذهبي لا كما هي واقعاً عبارة عن اوطان لها ثقافاتها الخاصة بها ولها حدودها الجغرافية التي هي اساس سيادتها وطبيعة ما تحمل من هوية .
مقولة “ الإسلام لا تحدّه الجغرافيا ” حين تُستخدم لتبرير اختراق الدول وتذويب الهويات ونهب الموارد فهي تزوير للدين ، فالإسلام الذي عرفه أهل البيت لم يكن مشروع لهدم الأوطان ، اذ لم يطلب النبي محمد ص من المدينة أن تُدار من خارجها ولم يطلب علي من الكوفة أن تتبع عاصمة أخرى ، نعم الجغرافيا ليست ضد الدين ، انما هي حاضنته السياسية والأخلاقية والهوياتية .
لاحظوا كيف لخّص الإمام الصادق بوضوح تام مسألة تفضيل الآخر القاطن بجغرافية اخرى على ابن بلده فقال عليه السلام « كونوا زيناً لنا ولا تكونوا شيناً علينا ». ولا شيء أشد شيناً من شيعي يبرر خراب بلده ويدافع عن دولة أخرى ويعتبر سيادة العراق هامش ثانوي .
ونقول هنا ؛ ان من يفضّل إيران على العراق ومن يبرر تدخلها بذريعة المذهب ومن يرى خراب بغداد أقل شأناً من قوة طهران ، هو لا يدافع عن التشيّع بل يطعنه في الصميم ، ومن حسب نفسه موالياً لشيعة في دول اخرى ، نقول ان هذا ليس بالولاء الديني المرضي عنه من قبل آل البيت ولا مرضي من قبل السماء ، قدر وضعه بحكم الخيانة الوطنية وان غلفها بغلاف الفقه السياسي .
اخيراً نقول : نحن كعراقيين لا نتناقض مع التشيّع
بل نحن جوهر التشيع العلوي المحض ، وان التشيّع الذي يُستخدم ضد العراق لايمت لمبدأ ومُثل واخلاق الامام جعفر الصادق ولا لجده علي بن أبي طالب عليهم السلام بل هو تشيع سلطوي بلبوس فقهي مذهبي دخيل . وان من يضع الشيعي أمام خيار زائف بين مذهبه ووطنه فهو كاذب ، لأن أئمة أهل البيت لم يطلبوا هذا الخيار من احد قط .
إن أخطر ما فعله الاحتلال الناعم الإيراني لم يكن السلاح بل تحويل بعض العراقيين إلى حرّاس فكريين على خيانتهم يبررون التبعية باسم المذهب ويعادون وطنهم باسم العقيدة وهذا وفق نظم وقوانين الدول يعد اجرام محض لا اجحاف بحق الوطن وشعبه فحسب .