أذن وعين
مرويّات بابلو كويليو العربية
عبد اللطيف السعدون
يكتب الروائي البرازيلي باولو كويليو عن صديق له من جذور عربية اسمه (ياسر حرب) التقاه في باريس، وتوطدت بينهما علاقة صداقة، وكان حرب يروي له حكايات عن بدو الصحراء قال كويليو عنها أنها تعزز وجهة نظره في أن هناك جسرا لا زال قائما بين ثقافات الشعوب رغم انقسام العالم على نفسه، وهذا الجسر، يضيف كويليو، يعكس قيما مشتركة تجمع بين شعوب العالم، وتؤكد على احترام الآخر المختلف.
في واحدة من هذه الحكايات ينقر رجل على باب بيت صديق له ليستدين منه مبلغ أربعة آلاف دينار، يحاول الصديق أن يوفر المبلغ له من بيع بعض حاجات بيته إلا أنه يجد ان قيمة تلك الحاجات لا تفي بما هو مطلوب، ولذلك يفكر في أن يلجأ إلى جاره ليستدين منه ما يكفي لمساعدة صديقه، وقد ظهرت إمارات الحزن على وجهه مما دفع صديقه للاستفسار عن سبب حزنه، وهل يشك في عدم قدرته على السداد عندما يحين وقته، أجابه: «كلا، ولكنني حزين لأنني لم أستطع أن أكتشف أن صديقا محبا يعاني من ضائقة مالية إلا بعد أن اضطر إلى النقر على باب بيتي ليسألني حاجته
وفي الحكاية الثانية يسافر رجلان في رحلة عبر الصحراء وحين يجهدهما السير يعثران على خيمة لبدوي فيلجآن إليها التماسا لقسط من الراحة قبل أن يستأنفا سيرهما فيرحب البدوي يهما، وان كان لم يتعرف إليهما من قبل، ويعاملهما كضيفين عزيزين حيث يذبح لهما أحد جماله في العشاء، وفي اليوم التالي يذبح جملا آخر، ويدهش الرجلان من تصرفه إذ ثمة ما تزال هناك بقية من لحم الجمل الأول لكنه يرد على دهشتهما بالقول: «انه لأمر مشين أن نقدم لضيوفنا طعاما بائتا»
وقت مبكر
وفي اليوم الثالث يستيقظ الرجلان الغريبان في وقت مبكر، وقد عزما على مواصلة رحلتهما، وحيث كان البدوي ساعتها في عمل في الخارج بادر الرجلان إلى الاعتذار إلى زوجته عن عدم إمكانهما انتظار زوجها لحين عودته لأن حرارة الشمس ستزداد مع الوقت وسيصعب عليهما مواصلة السفر، وشكراها على حسن الضيافة، وقدما لها مبلغ مئة دينار وغادرا الخيمة، وبعد أربع ساعات من السير المتواصل سمعا من بعيد من يناديهما فتوقفا عن السير والتفتا فإذا بالبدوي الذي استضافهما يغذ السير مسرعا للوصول إليهما حتى أدركهما، ولحظتها ألقى بالمئة دينار على الأرض وهو يقول لهما بعتاب مشوب بالغضب: «لقد استضفتكما كما يجدر بي أن أفعل .. فهلا خجلتما من نفسيكما وأنتما تدفعان هذا المبلغ؟»
في حينها فكر الرجلان في أن المبلغ الذي دفعاه قد يكون اقل مما أمله البدوي فقالا له إنهما يدركان جيدا أن ثمن جملين يساوي أكثر بكثير من ذلك لكنهما لا يحملان معهما مزيدا من المال، وكان جواب البدوي: «إنني لا اطلب عن استضافتي لكما مالا، لأننا، أهل الصحراء، نستضيف القادمين الينا، ولا نسألهم شيئا مقابل ذلك، وإذا توجب على المرء أن يدفع المال دائما فكيف ستكون حياته؟ إن استضافتي لكما هي تسديد لبعض الدين الذي تضعه الحياة بذمتنا!
والحكاية الثالثة عن مسافر من مدينة إلى أخرى يصادفه في الطريق نزاع حامي الوطيس بين قبيلتين، وحين يتقدم إلى المكان يكتشف أن من بين جرحى المعركة ابن عم له، وانه على شفا الموت فيسارع إلى خزان الماء ليجلب له قدحا من الماء يبل به شفتيه، لكنه عند عودته، والقدح في يده، يرفض ابن العم أن يشرب، ويطلب منه أن يسعف بالماء جريحا آخر كان يئن، وقد رقد على مقربة منه.
وهنا يقول الرجل لابن عمه الجريح انه يكفيه أنه كان كريما مع الآخرين طيلة حياته، وعليه اليوم أن ينقذ نفسه أولا فهو على شفا الموت، وانتظار جلب قدح آخر قد يسلبه حياته، فيرد عليه ابن عمه الجريح وقد استجمع ما بقي له من روح: “هذا أيضا سبب آخر يدفعني لكي أكون كريما الآن أيضا
يعقب كويليو على هذه الحكايات بقوله: “هذا هو العالم الذي يجعلنا نؤمن أننا متساوون حقــا، وان اختلفـت آراؤنـــــا ومشاربنا.