الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حضور الافراد وغياب النتائج.. فخ «الاستقالة الخفية»

← بواسطة azzaman

حضور الافراد وغياب النتائج.. فخ «الاستقالة الخفية»

أحمد آل حميد

 

تقف أجهزة «البصمة الإلكترونية» عند مداخل المؤسسات والدوائر، تسجّل بدقة أوقات دخول و خروج الموظفين، وتمنح الإدارات شعوراً دائماً بالانضباط والسيطرة. لكن خلف نسب الحضور العالية والمكاتب الممتلئة، تتخفى إحدى أعمق المشكلات التي تواجه بيئة العمل المعاصرة، وهي ظاهرة «الاستقالة الخفية». إنها حالة يكون فيها الموظف حاضراً بجسده، لكنه فاقدا لشغفه ولمبادرته، مكتفياً باداء الحد الأدنى من واجباته، حضورٌ بلا اثر، ودوامٌ بلا انتاج.

وفي القطاع الحكومي، قد تتداخل هذه الظاهرة مع البطالة المقنّعة، خصوصاً في المؤسسات التي لا تتناسب فيها أعداد الموظفين مع حجم العمل، أو لا تُستثمر فيها الكفاءات بالشكل الصحيح. وقد تكون بيئات العمل التي لا تميّز بين الأداء الروتيني والإنجاز المبتكر، ولا تربط التقييم و الحافز بالكفاءة، سبباً في تراجع المبادرة وفقدان الثقة بجدوى التطوير. ومع انسداد قنوات التواصل المفتوحة التي تتيح للموظف التعبير عن تحدياته والاستماع لصوته، يحلّ الصمت والانسحاب التدريجي، وتتحول الوظيفة العامة من رسالة لخدمة المجتمع إلى مجرد وسيلة لضمان الراتب الشهري.

أما في القطاع الخاص، فترتبط الاستقالة الخفية أحياناً بالاحتراق النفسي واختلال التوازن بين الحياة والعمل، نتيجة الضغوط المتزايدة وساعات العمل الطويلة والممارسات الإدارية التي تفرض أعباءً تفوق المقابل والحوافز. وقد يلجأ الموظف إلى الاكتفاء بواجباته الأساسية، أو رفض المهام الإضافية غير العادلة، حمايةً لصحته وتوازنه الشخصي. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الانسحاب إلى تراجع مستمر عن المسؤوليات الأساسية. فالحفاظ على الحقوق لا يعني التخلي عن الواجبات، كما أن الالتزام لا يعني القبول بالاستغلال.

وتكمن المشكلة الأكبر في اعتقاد بعض القيادات أن تشديد الرقابة وتطوير وسائل تسجيل الحضور كفيلان بتحسين الأداء. فأجهزة البصمة تستطيع تسجيل حضور الأجساد، لكنها لا تضمن حضور العقول والمبادرات والضمير المهني. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى الانتقال من إدارة الحضور والغياب إلى إدارة الأثر والمخرجات، من خلال تقييم عادل يقيس الإنجاز، ويربط الحوافز بالكفاءة، ومساءلة المقصّرين، وتوفير بيئة عمل تحترم الموظف وتتيح له التطور والمشاركة الفاعلة.

إن خطر الاستقالة الخفية لا يكمن في المكاتب الشاغرة، بل في المكاتب الممتلئة بموظفين غادرتها أرواحهم الشغوفة. والمسؤولية مشتركة، فالإدارة مطالبة بتهيئة بيئة عادلة ومحفزة تفتح باب الحوار والاستماع، والموظف مطالب بأداء واجباته والمساهمة في تحقيق أهداف المؤسسة. وإذا كانت الدول تسعى إلى التحول الرقمي، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والحوكمة الحديثة، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في اقتناء الأجهزة والبرمجيات فحسب والتي قد تضاعف العزلة إن لم تُستغل لإعادة توجيه الطاقات نحو الابتكار بل لبناء ثقافة تجعل الكفاءة موضع تقدير، والإنجاز أساساً للتقييم، والمساءلة ضمانة للعدالة. فالإنسان هو جوهر التنمية، وبدونه تتحول اكبر المؤسسات وأحدث التقنات إلى هياكل هشة بلا أثر ولا ناتج حقيقي.


مشاهدات 199
الكاتب أحمد آل حميد
أضيف 2026/10/25 - 3:43 PM
آخر تحديث 2026/10/26 - 4:33 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 573 الشهر 51542 الكلي 16636711
الوقت الآن
الإثنين 2026/10/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير