الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إرهاصات مجنون.. مجلس العزاء العراقي: صالون ثقافي ووكالة أنباء بختم أسود وعَظّامة.

← بواسطة azzaman

إرهاصات مجنون.. مجلس العزاء العراقي: صالون ثقافي ووكالة أنباء بختم أسود وعَظّامة.

 طالب الشوكة

 

الموت في العراق له رهبة، لكنه في الوقت نفسه يتحول، بقدرة قادر، إلى مهرجان اجتماعي وثقافي. مجالس العزاء العراقية ليست مكاناً للبكاء الصامت فحسب، بل هي واحدة من أغرب منصات التواصل الاجتماعي التي عرفها التاريخ، قبل أن يفكر إيلون ماسك ومارك زوكربيرغ في اختراعاتهما بسنين طويلة.

ادخل إلى أي مجلس عزاء، وراقب حركة المكان. ستكتشف أن الحزن له طقوسه الخاصة، لكن الحياة لا تتوقف عن ممارسة هواياتها حتى في حضرة الموت.

في الركن الأيمن، ستجد جماعة يناقشون سعر الدولار وصعوده وهبوطه، وكأنهم في بورصة وول ستريت، مع فارق بسيط هو أن خسائرهم هذه المرة لا تحتاج إلى تقرير مالي، بل إلى تنهيدة طويلة وكوب من الچاي المر أو قهوة مرة ومُرّمرة.

في الوسط، شخصان يتبادلان الحديث عن صفقة عقارية أو مقاولة لترميم مدرسة، وهما يرتديان الدشداشة السوداء، بينما يبدو الاتفاق بينهما أكثر جدية من بعض الاتفاقات السياسية التي تستغرق أشهراً ولا تصل إلى نتيجة.

وفي الخلف، مجموعة تتبادل أحدث النكات السياسية بصوت خافت، مع الحرص على ألا تصل الضحكات إلى مسامع أهل الفقيد، وكأن الضحك جريمة تستوجب الاعتذار في مكان يُفترض أن الحزن فيه هو سيد الموقف.

أما الذين لم يلتقوا منذ سنوات، فقد يجدون في مجلس العزاء فرصة لاستعادة العلاقات القديمة، وتبادل أرقام الهواتف، والسؤال عن الأحوال والأبناء والأعمال. وقد يكتشف أحدهم أن صديقه الذي لم يره منذ عشر سنوات يسكن على بعد شارعين منه، لكنه لم يجد الوقت لزيارته إلا بعد أن غادر الحياة شخص ثالث!

وهنا تبدأ المفارقة العراقية التي تستحق التأمل: لماذا نحتاج أحياناً إلى الموت كي نستعيد صلاتنا بالحياة؟ ولماذا تنجح مناسبة حزينة في جمع أشخاص عجزت المناسبات السعيدة عن جمعهم؟

لا أعتقد أن الأمر كله يتعلق بالتناقض أو قلة الاكتراث. فالعراقي، الذي خبر الحروب والأزمات والفقد، يعرف كيف يحمل حزنه في قلبه ويواصل حياته في الوقت نفسه. وربما كان الحديث الجانبي، وتبادل الأخبار، وحتى الضحك الخافت، وسيلة للتخفيف من ثقل الفقد، لا انتقاصاً من حرمة الميت.

لكن الكوميديا السوداء لا تكتمل هنا؛ فهي تحتاج إلى تلك التفاصيل الصغيرة التي تجعل المشهد عراقياً بامتياز.

فبعد ساعات من استذكار من رحل، ومناقشة أوضاع البلد، وتحليل الأزمات الاقتصادية والسياسية، قد يقترب أحدهم من صاحبه ويسأله بكل عفوية:

"أگلك، شوكت العشا؟ تره صواني التمن والقيمة صارت جاهزة بالخارج!"

أما العَظّامة الذين يعرفون من مات في المنطقة والمناطق المجاورة، الفواتح هي الوجبات التي ينتظرونها بفارغ الصبر، وينصبون الكمائن للانقضاض عليها كأنها فريسة؛ فهم اساتذة في بلع اللقمة وكيف يتصيدون الدجاج واللحم، فلهم طرقهم في إبعادك عن "أم العراوي" خصوصاً إذا كنت مسكيناً وتستحي -مثل حالي- ولا تملك الخبرة في كيفية التعامل مع حملة هويات العَظّامة، فأنت تسيس أبو الشباب!

العَظّامة هم ملح في الفاتحة العراقية؛ وبدونهم تُصبح الجنازة مجرد حزنٍ جاف، أما بوجودهم فإنه يُستكمل ذلك المهرجان الاجتماعي المتناقض الذي يجمع بين الدمعة واللقمة... "يا به يا بويه" شعارهم!

يمتلك العَظّام حواسّ مغناطيسية لمعرفة مكان إقامة الفواتح، عبر متابعة لافتات الفواتح السوداء أو تبادل الأخبار سريعاً فيما بينهم.

ومعرفة الطباخ؛ لا يقتصر الأمر على معرفة المكان، بل يسألون عن متعهد الطعام؛ فالطباخ المشهور بـ "التمن والمرقة" يجعل من الفاتحة وجهة ذات أولوية قصوى مقارنة بغيرها!

يتمتعون بمهارة في حجز الأماكن الاستراتيجية على المائدة، مع إطلاق عبارة  "تفضلوا على الطعام يرحمكم الله".

يستخدم بعضهم "كلاوات" أو سوالف مفاجئة لإلهاء الجالسين بجانبهم أو فتح نقاشات سريعة عن مواضيع معينة؛ ليشغلهم عن الأكل بينما يتكفل هو بالتهام أفضل قطع اللحم.

لا يكتفي البعض بالأكل في المكان، بل بالخروج بغنيمة إضافية من القطع المميزة المعروفة بـ "أم العراوي".

"العَظّامة" حالة اجتماعية تجمع بين الدمعة واللقمة في التقاليد المحلية، ويتميز العَظّام بـ "بطن تقدمية وخلفية رجعية".

في تلك اللحظة، يعود المجلس إلى طبيعته العراقية الكاملة؛ دمعة في عين، وابتسامة على الشفاه، وحديث عن الدولار في جهة، وعن مباراة القوة الجوية والشرطة في جهة أخرى.

العراقيون بارعون في إقامة الجنازات الفخمة للحياة، ثم الجلوس فوق ركامها لشرب الجاي وتبادل أطراف الحديث. غير أن المسألة ليست في أنهم ينسون الموت سريعاً، بل في أنهم تعلموا، بطريقة قاسية، كيف يتعايشون معه من دون أن يتوقفوا عن الحياة.

وهكذا يبقى مجلس العزاء العراقي أكثر من مكان لتوديع الراحلين؛ إنه مرآة لمجتمع كامل، تتجاور فيه الأحزان والمصالح، والوفاء والمجاملات، والدموع والضحكات.

أما الميت، الذي جاء الجميع لتوديع رحيله، فقد يكون الوحيد الذي لا يعلم أن مجلسه تحول، من دون إذنه، إلى نشرة أخبار سياسية واقتصادية ورياضية، وإلى ملتقى اجتماعي لم يعلن أحد عن موعد افتتاحه أو موعد اختتامه.

رحم الله الراحلين، وأطال أعمار الباقين، وأبقى للعراقيين قدرتهم العجيبة على انتزاع ابتسامة من قلب الحزن؛ فهذه القدرة، في بلد أنهكته المآسي، ليست أمراً بسيطاً، وإن كانت تستحق أحياناً أن نضحك منها بمرارة.


مشاهدات 67
الكاتب  طالب الشوكة
أضيف 2026/10/24 - 2:49 AM
آخر تحديث 2026/10/24 - 3:41 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 353 الشهر 46722 الكلي 16631891
الوقت الآن
السبت 2026/10/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير