جَوَازُ السَّفَرِ إِلَى نَفْسِي
شليمار عبد المنعم محمد
من أقصى الأرضِ، جاءتْ وليفةُ روحي
حين انحنى التعبُ على كتفي.
حسبتُني غبتُ عن ذاكرتها،
فإذا بي نبضٌ لم يغادرْ أعماقَها،
كأنَّ المسافةَ وهمٌ يصغرُ، كلّما بكى القلب.
في عينيها أسئلةٌ أطولُ من الطريق؛
أوّلُها:
أتحبّينَه؟
قلتُ: أهيمُ عشقًا،
أشتاقُ عناقَه كما يشتاقُ غريبٌ، إلى وطنه.
أتُحسنين وصفَه؟
فاضَ الحديثُ منّي، حتى خُيّل إليها
أنَّ قلبي كتابٌ لا تخفى عليها، تفاصيلُه.
ثم جاء السؤالُ، الذي أطفأ ابتسامتي:
أيعرفُ يومَ ميلادكِ؟
لا.
يا يومَ ميلادي، أيُّ سرٍّ يسكنُكَ
حتى يعجزَ عن بلوغِه مَن يسكنُ القلب؟
كم تمنّيتُه يخاصمُ الدنيا
كي يعرفَ موعدَ مجيئي،
ويمنحَ التاريخَ عيدًا لا يشبهُ الأعياد،
كأنَّ ولادتي ولادةُ فرحٍ في عمره.
أيغيبُ أيامًا دون سؤال؟
نعم.
إذا أثقلَ التعبُ روحكِ، أيقصدُ بابكِ ليطمئنَّ؟
لا...
لعلَّ له ظروفَه، يا صديقتي.
أيُّ حربٍ هذه؟
عقلٌ يرى الحقيقة، وقلبٌ ينسجُ الأعذار،
وروحٌ تدفعُ وحدها فاتورةَ الحنين.
قالت:
كيف يطيبُ البُعدُ لقلبٍ يدّعي العشق؟
كيف ينامُ السؤالُ على شفتيه
حين تحتاجُه حبيبتُه؟
أليس السؤالُ
يدًا تمسحُ عن الجرحِ وحشتَه؟
أليست كلمةٌ تجيءُ في موعدها
أحنَّ من ألفِ اعتذار؟
توالتْ أسئلتُها، حتى ضاقَ الصمتُ
بما أخفيه.
لِمَ لا تواجهينَه؟ سأتركُ للأيامِ
أن تكشفَ ما وراء الصمت؛
لا عتابَ منّي، لعلَّ الحقيقةَ تبلغُه
دون أن يرتفعَ صوتي.
ثم أشارتْ إلى من يحيطون بي من اهتمام:
قلوبٌ كثيرةٌ تترقّبُ رضاكِ،
وأيدٍ تنتظرُ موافقتَكِ،
حتى أخي، مهندسُ الطيران،
يتابعُ أخباركِ من بعيد.
قلتُ:
ذاك أخي، رفيقُ طفولةٍ
عقدتْ بيننا ألفةَ الأهل؛
لا يبدّلُها الهوى، ولا أتّخذُ من قلبه
وسيلةً لإيقاظ الغيرة.
عندها تبدّلَ وجهُها، وانكسرَ صوتُها:
ظلمتِ نفسَكِ مرّةً، فلا تظلميها أخرى.
يا لوقعِ كلمةٍ تخرجُ من قلبٍ
يخشى علينا منّا!
رأتْ في عينيَّ ما هو أبعدُ من العشق؛
امرأةً تستنزفُها حربٌ خفيّة،
تُطعمُ قلبَها الأملَ، ثم تُسكتُ عقلَها
كي لا تسمعَ الوجع.
يا وليفةَ روحي، حسبتُ النسيانَ
أغلقَ أبوابَكِ دوني، فإذا بي أقربُ إليكِ
ممّا ظننتُ،
كأنَّ وجعي أعادَ إليَّ دفءَ العمرِ القديم.
مددتِ يدَكِ نحو جوازِ سفري،
كأنَّكِ تنتزعينَ عن روحي قفلًا
طالَ انتظارُ مفتاحِه،
وتفتحينَ لي بابًا، ظلَّ موصدًا في داخلي.
لن أحجزَ التذاكرَ قبلَ أن توافقي،
يا جوازَ سفري إلى نفسي؛
فلستَ ورقةً أعبرُ بها نحوَ الرحيل،
بل دليلي إلى دربٍ أعودُ فيه إليَّ،
وبابٌ لا أفتحُه إلا حينَ أختارُني.
على وجهها الأوّل، ما زال في القلبِ حبٌّ،
وما زالتْ له فرصة؛
غيرَ أنَّ الروحَ تحتاجُ فسحةً، كي لا يبتلعَها الانتظار.
للعتابِ لغةٌ أخرى؛
صمتٌ يطولُ حتى يصيرَ صوتًا،
وغيابٌ يكشفُ ما عجزَ الحضورُ عن إثباته،
ويومُ ميلادٍ ينقصُه شيءٌ
حين يسقطُ من ذاكرةِ الحبيب.
ليس كلُّ وجعٍ يُقال، ولا كلُّ صمتٍ يعني النجاة.
قد يظلُّ القلبُ مشتاقًا، وتبقى النافذةُ مواربة؛
لكنَّ امرأةً تعلّمتْ أخيرًا
أن ترى نفسَها خارجَ حدودِ الانتظار.
سأمنحُ الحبَّ فرصتَه، أمنحُ نفسي وقتَها؛
لن أهربَ ممّن أحبّ، ولن أُضيّعَني كي أبقى في قلبه.
أنا لستُ سؤالًا مؤجّلًا، ولا موعدًا فائتًا؛
أنا حياةٌ كاملة،
تستحقُّ أن يُسألَ عنها.
بقلم شاعرة الإحساس