الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حرب أوكرانيا وحرب إيران تتعثران.. طريق الطاقة الواحد قابل للإستهداف

← بواسطة azzaman

حرب أوكرانيا وحرب إيران تتعثران.. طريق الطاقة الواحد قابل للإستهداف

نبيل رحيم العبادي

 

في السياسة كما في الأسواق، تختبر الوعود برود الوقائع. كان دونالد ترمب قد وعد بإنهاء حرب أوكرانيا في أربع وعشرين ساعة، وبأن حرب إيران ستنتهي (سريعاً جداً). لم يتحقق الوعدان، وبعد أسبوعين فقط من انتخابات الكونغرس، تتقاطع الحربان عند النقطة الأكثر حساسية بالنسبة إلى الرئيس الأميركي: أسعار الطاقة. فحرب إيران الممتدة دفعت أسعار النفط والديزل إلى مستويات تؤلم المستهلك الأميركي، ما دفع ترمب إلى البحث عن جزء من الحل في الجبهة الأخرى، عبر اتفاق مع روسيا بشأن صادرات الديزل، وتأجيل عقوبات كان يفترض أن تزيد الضغط على موسكو، وإلقاء اللوم على أوكرانيا لضربها منشآت الطاقة الروسية. المفارقة أن حرب أوكرانيا، التي وعد بإنهائها قبل دخوله البيت الأبيض، تحولت اليوم إلى أداة لمحاولة خفض فاتورة حرب إيران. ولا يخلو هذا الالتفاف من تعقيدات، فقد اتهم زيلينسكي الرئيس الأميركي بالضغط على كييف للاستسلام، فيما أثارت التنازلات المقدمة لموسكو اعتراضات داخل الحزب الجمهوري نفسه، لكن ترمب يقول إنه يحرز (تقدماً كبيراً))في محادثات السلام ولا يريد دفع بوتين إلى الابتعاد عن طاولة المفاوضات. المشكلة أن الحربين أثبتتا حتى الآن مقاومة أكبر للجداول الزمنية الرئاسية، لكن الأسواق اعتادت خلال ثمانية أشهر مشهداً متكرراً: هجمات ترفع الأسعار، وإمدادات تواصل الوصول رغم الاضطرابات. والالتفاف الذي أثبت جدواه حتى الآن لم ينفذه ترمب، بل السعودية، عبر طريق بديل عن مضيق هرمز، إذ استعادت التدفقات عبر خط أنابيب (شرق-غرب)نحو 5.8 مليون برميل يومياً، ورصدت الأقمار الاصطناعية عشر ناقلات عند أرصفة التحميل في ينبع والمعجز مقابل ثلاث قبل خمسة أيام. غير أن هذا الطريق البديل نفسه بات هدفاً، مع اعتراض صاروخ باليستي أُطلق باتجاه ينبع يوم الجمعة، ومن هنا يكتسب قرار القاهرة وزنه، فقد أعلن مجلس الدفاع الوطني المصري تقديم كافة أشكال الدعم اللازمة والممكنة للسعودية، مؤكداً ارتباط الأمن القومي السعودي بالأمن القومي المصري والعربي، وقرر مواصلة وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لخفض التصعيد في المنطقة.

نقطة التماس

أما العراق، فهو من أكثر الدول تعرضاً لتداعيات هذا التقاطع، ليس لأنه طرف في أي من الحربين، بل لأنه يقع عند نقطة التماس بينهما. فاقتصاده يعتمد على عائدات النفط بنسبة تكاد تلامس التسعين في المئة، وأي ارتفاع في الأسعار يبدو في الظاهر خبراً ساراً، لكنه في العمق هشاشة مضاعفة، لأن الموازنة العامة بُنيت على سعر أقل بكثير من سعر السوق الحالي، فأصبح الفارق ريعاً مؤقتاً لا استثماراً دائماً، وسرعان ما يتحول إلى التزامات جارية ونفقات تشغيلية يصعب التراجع عنها عند أول انخفاض. والأخطر من السعر هو المسار، فمضيق هرمز يبقى الشريان الذي تعبره معظم صادرات العراق الجنوبية، وأي تهديد له يعني تهديداً مباشراً للموازنة قبل أن يعني شيئاً آخر، وما يحدث في ينبع ليس حدثاً بعيداً، بل مؤشر على أن الطرق البديلة نفسها قابلة للاستهداف، وأن الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة تعيد ترتيب أولوياتها بسرعة تتجاوز قدرة بغداد على المواكبة.

 وفي بعد آخر، فإن تأجيل العقوبات على موسكو والاتفاق على صادرات الديزل يعني أن روسيا تحتفظ بحضورها في سوق الطاقة العالمية، وهذا يحدّ من قدرة أي طرف على الضغط عبر النفط وحده، ويجعل المنافسة على الحصص السوقية أكثر حدة. العراق، الذي يعتمد على النفط الخام أكثر من اعتماده على المشتقات، يجد نفسه في موقع المتفرج على لعبة تعاد فيها هندسة الأسواق، بينما هو غير قادر على التأثير فيها، وربما يدفع ثمن تقلباتها دون أن يحصد مكاسب استقرارها. ثم هناك البعد الإقليمي الأكثر حساسية.

 فالتقارب المصري السعودي على خلفية استهداف ينبع يعيد رسم اصطفافات الأمن القومي العربي، ويضع العراق أمام سؤال علاقته بهذا المحور، في وقت يحاول فيه التوازن بين واشنطن وطهران وموسكو. وأي انحياز غير محسوب قد يكلفه أكثر مما يكسبه، خصوصاً أن الحرب على إيران لم تنتهِ بعد، وأن تداعياتها الأمنية على الحدود العراقية لم تتوقف منذ سنوات.

 الأمر الذي يستحق التوقف عنده أن الأسواق اعتادت مشهداً متكرراً: هجمات ترفع الأسعار، وإمدادات تواصل الوصول رغم الاضطرابات. هذه العادة وحدها هي ما يمنح العراق هامشاً مؤقتاً، لكنها ليست ضماناً. فالهشاشة الحقيقية ليست في سعر البرميل، بل في غياب البدائل: لا ميناء نفطي ثانٍ خارج نطاق التهديد، ولا اقتصاد غير نفطي يحمل الموازنة عند أول صدمة، ولا دبلوماسية طاقة تضع بغداد في موقع الوسيط لا المتأثر. والفرق بين من يصنع الالتفاف ومن ينتظر نتائجه هو الفرق بين السعودية التي فتحت طريقاً بديلاً قبل أن يُغلق الطريق الأول، والعراق الذي ينتظر أن تقرأ عليه الأسعار كل صباح.

 ما يعنيه هذا كله أن الحربين، حتى وهما تتعثران في جداولهما الرئاسية، تصلان إلى العراق ليس عبر الصواريخ بل عبر فاتورة الطاقة والموازنة والاستثمار، وأن أفضل ما يمكن فعله الآن ليس انتظار نهاية سريعة لا تأتي، بل بناء طريق بديل خاص، نفطياً واقتصادياً ودبلوماسياً، قبل أن يصبح الطريق الوحيد هو نفسه هدفاً.


مشاهدات 217
الكاتب نبيل رحيم العبادي
أضيف 2026/10/20 - 3:41 PM
آخر تحديث 2026/10/21 - 2:21 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 215 الشهر 40039 الكلي 16625208
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير