الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تركمانجاي.. عقدة إيران بين السلام والخوف

← بواسطة azzaman

تركمانجاي.. عقدة إيران بين السلام والخوف

مجاشع التميمي

 

تواجه القيادة الإيرانية معضلة تاريخية تتجاوز حسابات الحرب والسلام؛ فهي تريد تسوية أزمتها مع الولايات المتحدة، لكنها تخشى أن يتحول السلام إلى مدخل لاستعادة النفوذ الأميركي داخل إيران، وإعادة توظيفها إقليمياً لخدمة المصالح الاستراتيجية لواشنطن.

ما يزال انقلاب عام 1953 على حكومة محمد مصدق، الذي شاركت في تدبيره الاستخبارات الأميركية والبريطانية، حاضراً في الذاكرة السياسية الإيرانية. لذلك لا يتعلق القلق الإيراني بالوجود العسكري الأميركي وحده، بل باحتمال أن يصبح التفاوض وسيلة لإعادة تشكيل القرار الإيراني من الداخل.

تدرك طهران أن واشنطن قد لا تسعى بالضرورة إلى تدمير إيران، بل إلى إعادة توظيفها دولةً فاعلة ضمن استراتيجيتها الإقليمية، ولكن ضمن حدود تخدم المصالح الأميركية. ففي عهد الشاه، كانت إيران أحد أعمدة الاستراتيجية الأميركية لاحتواء الاتحاد السوفيتي، وأدت دور شرطي الخليج، ولا سيما مع إعلان بريطانيا الانسحاب من المنطقة عام 1968 واكتمال انسحابها العسكري عام 1971.

لكن أي تسوية ستفتح سؤالاً محرجاً أمام القيادة الإيرانية: إذا كان التفاهم مع واشنطن ممكناً، فلماذا دفعت البلاد كل هذه الكلفة من العقوبات والعزلة واستنزاف الأموال والموارد، وخاضت عقوداً من العداء؟ وكيف ستبرر التضحيات التي قدمتها باسم الاستقلال ومواجهة الهيمنة الأميركية؟

هنا تبرز معاهدة تركمانجاي عام 1828، التي أنهت الحرب الروسية الإيرانية وكرست خسارة إيران أراضي واسعة في جنوب القوقاز، شملت مناطق تقع اليوم ضمن أرمينيا وأذربيجان. إنها ذاكرة تاريخية تختصر الخوف من أن تنتهي المواجهة بتسوية تحفظ بقاء الدولة، لكنها تنتزع منها جزءاً من سيادتها أو نفوذها.

اعادة تشكيل

وفي السيناريوهات المتداولة بشأن مستقبل إيران، يبرز احتمال إعادة تشكيلها داخلياً عبر كيانات أو أقاليم فيدرالية، مع طروحات تتحدث عن منطقة تمتد من ديزفول جنوباً، واحتمال قيام إقليم كردي. غير أن هذه التصورات لا يمكن التعامل معها بوصفها خطة أميركية معتمدة من دون أدلة موثوقة تثبت ذلك.

وبحسب تصورات تُنسب إلى محللين أميركيين، تُطرح أربعة نماذج للتعامل مع إيران: النموذج الياباني، باستخدام السلاح النووي؛ والنموذج الألماني، بتدمير برلين؛ والنموذج العراقي، بتدمير مؤسسات الدولة والبنى التحتية؛ وأخيراً نموذج استهداف القيادات وتصفيتها، الذي يُشار إليه بنموذج قاسم سليماني. وهي تصنيفات متداولة تحتاج إلى توثيق مستقل، ولا تمثل بالضرورة خيارات رسمية معلنة للرئيس دونالد ترامب. ويبقى السؤال الأهم: أي مسار يمكن أن يحقق الأهداف الأميركية بأقل كلفة، من دون جر المنطقة إلى حرب مفتوحة يصعب احتواء تداعياتها؟

وفي الداخل الإيراني، يضيف غياب المرشد مجتبى خامنئي عن الظهور العلني منذ توليه المنصب عام 2026 طبقة أخرى من التعقيد؛ إذ يثير تساؤلات بشأن آليات اتخاذ القرار وتوزيع النفوذ بين المؤسسات الدينية والعسكرية والسياسية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود فراغ رسمي في القيادة. وفي هذا السياق، يبرز اسم محمد مهدي ميرباقري، رجل الدين المحافظ وعضو مجلس خبراء القيادة، بوصفه شخصية أيديولوجية مؤثرة في التيار المتشدد. لكن الحديث عن اضطلاعه بدور أكبر في إدارة المرحلة يبقى في نطاق التحليل ما لم تؤكده معلومات موثوقة.

وهكذا، تتداخل أمام طهران ثلاثة مخاوف: تسوية قد تعيد توسيع النفوذ الأميركي، واحتمالات تهدد وحدة البلاد، وغموض يحيط بآليات صناعة القرار في مرحلة استثنائية.

إن عقدة إيران ليست في الاختيار بين الحرب والسلام فحسب، بل في خشيتها أن تنجو الدولة من الحرب، ثم تخسر استقلال قرارها على طاولة التسوية، فتجد نفسها أمام تركمانجاي جديدة، وإن اختلفت الأدوات والحدود.


مشاهدات 28
الكاتب مجاشع التميمي
أضيف 2026/10/19 - 2:42 PM
آخر تحديث 2026/10/20 - 1:30 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 168 الشهر 37833 الكلي 16623002
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/10/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير