الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أقنعة الفساد الثلاثة: القسوة، الطيبة، والخوف

← بواسطة azzaman

أقنعة الفساد الثلاثة: القسوة، الطيبة، والخوف

عباس التميمي

 

الفساد لا يسير عاريًا في الشوارع، ولا يعلن عن نفسه في الاجتماعات، إنه يلبس قناعًا، وأحيانًا يلبس قناعين أو ثلاثة في الوقت نفسه، فالمسؤول الفاسد يدرك أن بقاءه في موقعه مرتبط بقدرته على إبعاد الأنظار عن ملفاته، وتشتيت من يحاول الاقتراب منها، ولأنه لا يستطيع أن يقول للناس: "لا تنظروا إلى ما أفعل"، يختار طرقًا أكثر التواءً: إما أن يرهبهم بالقسوة، وإما أن يغريهم بالطيبة المفرطة، وإما أن يغرقهم في دوامة من الخوف والشك، وفي الحالات كلها، النتيجة واحدة: صمتٌ يُشترى، وقانونٌ يُعطَّل، ومؤسسةٌ تتحول ببطء إلى ملكية خاصة.

القناع الأول: القسوة التي تُشغل الناس عن الفساد

   هناك نوع من المسؤولين الفاسدين يجعل من الهجوم أسلوبه الدائم، لا يكاد يمر يوم دون أن يفتعل معركة مع موظف، أو يوجه انتقادًا لاذعًا لزميل، أو يلوّح بعقوبة لمن يجرؤ على السؤال، يستخدم منصبه لا لإنجاز العمل، بل لتصفية الحسابات وترهيب المحيطين، تجده شديدًا في غير موضعه، سريعًا في العقاب، لا يتردد في نقل من يخالفه، أو حرمانه من حقوقه، أو تشويه سمعته، وكل ذلك تحت عناوين براقة: "الانضباط"، "الحزم"، "حسن الإدارة"  ، ولكن الحقيقة أن هذه القسوة ليست قوة، بل غطاء، فالمسؤول الذي يهاجم كل من حوله يريد أن يخلق حالة من الخوف تمنع الناس من تتبع سيئاته، يريد أن يكون الجميع مشغولين بالدفاع عن أنفسهم، لا بمراقبة قراراته، وعندما يصمت الموظفون، لا يصمتون لأنهم مقتنعون، بل لأنهم خائفون، وهكذا يتحول مكان العمل إلى ساحة تنتظر فيها العقوبة كل من يرفع رأسه، ومع الوقت، ينسحب الكفؤون، ويبقى من يجيد المجاملة أو الاختباء، ويتراجع الأداء، وتتآكل الثقة، ويصبح الفساد أكثر جرأة لأنه لم يعد هناك من يسأل .

القناع الثاني: الطيبة التي تُغرِق الجميع

   هناك نوع آخر أخطر من حيث التمويه: المسؤول الفاسد الذي يظهر في قمة الطيبة، لا يرفض لك طلبًا، ولا يؤخر معاملة، ولا يقول "لا" إلا نادرًا، يساعد هذا، ويقضي حاجة ذاك، ويتجاوز القانون لمن يطلب، يبتسم في وجه الجميع، ويوزع الوعود، ويجعل الناس يشعرون أنه "أبو الجميع"، لكن هذه الطيبة ليست كرمًا، بل استثمار، إنها شراء ولاءات، وبناء شبكة مصالح، وتخدير للضمائر، فالمسؤول الذي يمنحك ما ليس من حقه أن يمنحه، يجعلك مدينًا له، وعندما يأتي وقت المساءلة، تجد نفسك مضطرًا للدفاع عنه، ليس لأنك مقتنع، بل لأنك شريك في استفادة، وهنا يصبح الفساد أكثر تعقيدًا: لا أحد يريد فضح من "أحسن إليه"، بل إن من يرفض هذه الطيبة المسمومة يتحول إلى عدو للناس، ويقال عنه: "فلان لا يريد الخير"، "فلان معقّد"، "فلان يريد تعطيل مصالحنا"، وهكذا تتحول المؤسسة إلى سوق للمحاباة، حيث القانون يُطبَّق على من لا يعرف أحدًا، ويُتجاوَز لمن يعرف المسؤول.

القناع الثالث: الطاغية الخائف

لكن خلف هذين القناعين، هناك قناع ثالث أخطر، لأنه لا يُرى إلا لمن يتأمل بعمق: إنه الخوف، المسؤول الذي وصل إلى منصبه بطريق ملتوٍ — بتزكية كاذبة، أو بصفقة، أو بإقصاء منافس، أو بإخفاء ملف، أو باستغلال ثغرة يعيش كل يوم كأنه على حافة الانهيار، لا يهدأ، ولا يثق، ولا يرى في الناس إلا مؤامرات محتملة، وحين يخاف المسؤول من فقدان منصبه، يتحول المنصب نفسه إلى سجن: يدخله بطرق غير مشروعة، ثم يكتشف أنه لا يستطيع الخروج منه إلا بمزيد من الأكاذيب والقسوة.  

وأول علامات هذا النوع من المسؤولين هو الشك المزمن، أي سؤال بريء يتحول في رأسه إلى تحقيق، أي ملاحظة مهنية يراها تمردًا، أي اجتماع قد يكون هادئًا يخرج منه مقتنعًا أن فلانًا يخطط له، وأن فلانة تجمع المعلومات ضده، وأن هناك من ينتظر سقوطه، فيبدأ بمراقبة الجميع: من يتحدث مع من، من يبتسم لمن، من يدخل مكتب من، يزرع المخبرين، ويفتح الملفات، ويتابع الرسائل، ويحسب الحركات، لا لأنه قوي، بل لأنه خائف.

    وثاني علاماته هو تفكيك الفريق قبل أن يتحد، المسؤول الخائف يعرف أن الموظفين إذا اجتمعوا على كلمة واحدة، سيكشفونه، لذلك يعمل على تمزيقهم: يفرّق بينهم، ويواجه هذا بذاك، ويمنح هذا سرًا يحرم ذاك منه، ويشعل الغيرة، ويضخ الشائعات، يريدهم متنافسين لا متعاونين، متخوفين لا مطمئنين، وحين يفقد الفريق ثقته ببعضه، يبقى هو الحاكم الوحيد على المعلومات، ويصبح الجميع عيونًا عليه لا عليه.

   وثالث علاماته هو معاقبة الكفء، الموظف النزيه المتمكن ليس مجرد موظف في عينه، بل تهديد، لأنه يعرف القانون، ويحفظ الأنظمة، ولا يمكن خداعه بسهولة، لذلك يبدأ بتهميشه: ينقله، أو يحرمه من صلاحياته، أو يكتب ضده تقارير، أو يجعله مثالًا للعقاب حتى يتعلم الآخرون، هكذا يتحول الكفء إلى عدو، والمجامل إلى صديق، والمؤسسة إلى حلبة ولاءات.

    رابع علاماته هو التناقض الانفعالي، تراه اليوم لطيفًا يضحك ويوعد، وغدًا ناريًا يصرخ ويعاقب، لا لأن الموقف تغير، بل لأن داخله مضطرب، يعاني من قلق دائم، ومن ضغط لا يستطيع البوح به، ومن شعور بأن كل شيء قد ينكشف، وقد يصل به الأمر إلى أعراض نفسية حقيقية: الأرق، الانفعال، الشك المرضي، العزلة، أو حتى الكراهية لكل من حوله، لكن هذا كله لا يبرئه، فالمرض النفسي قد يفسر بعض سلوكه، لكنه لا يمنحه حق سرقة المنصب، ولا حق تعذيب الموظفين، ولا حق تعطيل القانون .

   خامس علاماته هو عبادة السرية، لا يشارك معلومة، ولا يفوض سلطة، ولا يترك قرارًا إلا بيده، لأنه يعرف أن كل قرار قد يكون دليلًا ضده، ولهذا تغرق المؤسسة في البيروقراطية، وتتعطل المصالح، وينتظر الناس شهورًا على توقيع واحد، هو لا يخاف على المال العام، بل يخاف على نفسه،

وجهان لعملة واحدة..  وثلاثة أقنعة لرجل واحد

  قد يظن البعض أن المسؤول القاسي، والمسؤول الطيب، والمسؤول الخائف ثلاث شخصيات مختلفة، لكنهم في جوهرهم واحد، الأول يشتري الصمت بالخوف، والثاني يشتريه بالمنفعة، والثالث يشتري البقاء بالرعب والشك، وكلهم يعطلون القانون، ويجعلون القرار الإداري رهينة لمزاج شخص أو مصلحة خاصة، بل إن بعض الفاسدين يجيدون الجمع بين الأقنعة الثلاثة: قسوةٌ مع الخصوم، وطيبةٌ مع الحلفاء، وخوفٌ من الجميع، رحمةٌ لمن يطيع، وبطشٌ لمن يسأل، وشكٌ فيمن يصمت، وهكذا تتحول المؤسسة إلى نظام ولاءات، لا نظام حقوق وواجبات .

لماذا نصدّق الأقنعة؟

   نصدّق الأقنعة لأننا في كثير من الأحيان نحكم على المسؤول بشخصه لا بأدائه، نرى الرجل الصارم فنقول: "هذا قوي، لا أحد يستطيع الاقتراب منه"، ونرى الرجل اللطيف فنقول: "هذا طيب، يساعد الناس"، ونرى الرجل الخائف فنقول: "هذا مسكين، محاصر"، لكننا لا نسأل السؤال الأهم: هل يحترم القانون؟ هل قراراته شفافة؟ هل يستخدم المال العام في مكانه؟ هل يعاقب ويُثيب وفق معايير واضحة، أم وفق علاقاته ومخاوفه؟ القسوة والطيبة والخوف ليستا مقياسًا للنزاهة، فكم من قاسٍ كان فاسدًا، وكم من لطيف كان أخطر من القاسي، وكم من خائف كان سارقًا.

كيف نزيل الأقنعة؟

 من خلال المواجهة التي تبدأ من المؤسسة نفسها، لا بد من تقوية الشفافية، وتوثيق القرارات، وفصل الصلاحيات، وتدوير المناصب، وحماية المبلّغين عن الفساد، ولا بد من محاسبة المسؤول على النتائج لا على الصورة، كما ينبغي أن يتعلم الموظف والمواطن أن الخدمة العامة ليست منّة من أحد، وأن القانون ليس سلعة يُمنح لمن يستحق ويُحرم منه من لا يستحق، وإذا رأينا مسؤولًا يوزع استثناءات، فالسؤال ليس: "لماذا هو كريم؟" بل: "من أين له هذا الحق؟" وإذا رأينا مسؤولًا يرهب الناس، فالسؤال ليس: "لماذا هو قاسٍ؟" بل: "ما الذي يخفيه خلف هذا الخوف؟" وإذا رأينا مسؤولًا يشك في الجميع، فالسؤال ليس: "لماذا هو مريض؟" بل: "ما الذي سرقه ليعيش في هذا الرعب؟ .

 ومن هذا نستخلص بأن الفاسد قد يظهر بوجه الجلاد، وقد يظهر بوجه المنقذ، وقد يظهر بوجه الضحية، قد يخيفك، وقد يغريك، وقد يستدرج عطفك، لكنه في الحالات كلها يعمل على شيء واحد: أن يبقى بعيدًا عن المساءلة، لذلك، لا تحكم على المسؤول بابتسامته ولا بصوته ولا بدموعه، بل باحترامه للقانون، فالقانون هو الميزان الذي لا تكذّبه القسوة، ولا تخدعه الطيبة، ولا تبرره الأمراض، وحيث يغيب القانون، يبقى الفساد قادرًا على ارتداء أي قناع... .

 


مشاهدات 41
الكاتب عباس التميمي
أضيف 2026/10/19 - 3:09 PM
آخر تحديث 2026/10/20 - 12:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 119 الشهر 37784 الكلي 16622953
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/10/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير