ما بعد إكتمال الكابينة .. هل نستعيد الدولة من أفواه المحاصصة؟
محمد الجوراني
دولة الرئيس أُسدل الستار و أنتهى فصل المساومات الطويل ، و أنفضّ بازار الحقائب الوزارية ، و أكتملت أخيراً صورة الكابينة الحكومية .!!
لم تكن معركة تشكيل الحكومة معركة برامج أو رؤى ، بل كانت كعادتها منذ عقدين معركة أوزان و حسابات و مغانم .
وقد قالت قوى المحاصصة كلمتها ، و فرضت منطقها و باتت الحكومة أمراً واقعاً .
وهنا علينا أن نتوقف قليلاً لنتأمل المشهد بعمق .. فالذين يعتقدون أن إنتهاء التشكيل هو نهاية الأزمة و أهمون ..!!
في الحقيقة إنتهاء التشكيل ليس إلا بداية الإمتحان الأكبر .. فما حدث حتى الآن كان صراعاً على تقسيم السلطة..؟؟
أما ما سيحدث من الآن فصاعداً..فهو صراع على شكل الدولة و مصيرها .. و للتأريخ عبرة ..!!
لقد علمتنا التجارب العراقية المريرة أن الحكومات لا تفشل ، لأنها تشكلت بالمحاصصة ، بل تفشل لأنها أستمرت تُدار بعقلية المحاصصة..!!
الفارق دقيق لكنه مصيري .. فأن تأتي بوزير عبر ترشيح حزبي ، هذا قد تفرضه ضرورات الواقع السياسي .
أما أن يبقى ذلك الوزير يعمل كموظف لدى حزبه داخل الدولة ، فتلك هي الخيانة الحقيقية لمفهوم الدولة ..!!
يا دولة الرئيس
إن الدولة الحديثة لا تبنى بالولاءات المتعددة ، بل بولاء واحد أوحد .. ولا يمكن لجسد الدولة أن يتعافى و هو مصاب بإنفصام الشخصية الوزارية .. وزير في النهار يمثل الحكومة ، وفي الليل يمثل الكتلة ..!!
و وزير يوقع على سياسة الدولة في مجلس الوزراء ، ثم يذهب ليعطلها في وزارته إرضاءً لزعيمه السياسي .!!
بهذه الإزدواجية المقيتة تحولت وزاراتنا إلى جزر معزولة ، و كنتونات حزبية ، و لكل جزيرة علمها و قانونها و إقتصادها الخاص .. فكيف لدولة بهذا الشكل أن تنهض..؟؟
إن مهمتكم التاريخية اليوم يا دولة الرئيس ، ليست في إقناع الأحزاب بالتخلي عن وزرائها ، بل في إقناع الوزراء بالتخلي عن أحزابهم لحظة دخولهم مبنى الوزارة ، أن تزرعوا فيهم عقيدة جديدة ، مفادها أن الوزارة ليست ملكاً عقارياً للحزب ، بل هي أمانة وطنية ، و أن الكرسي الذي يجلسون عليه ليس كرسي الحزب .. بل هو كرسي الشعب ..!!
عليكم أن تعيدوا الإعتبار لمفهوم مجلس الوزراء كمؤسسة سيادية واحدة ، يكون هو المطبخ الحقيقي للقرار ، و المرجل الذي تنصهر فيه كل السياسات لتصب في مصلحة وطنية واحدة ، ولن يتحقق ذلك إلا بفرض منطق جديد ، و هو أن منطق البرنامج الحكومي فوق البرامج الحزبية ، و منطق الكفاءة فوق الولاء ، و منطق الإنجاز فوق المحاصصة ..!!
وبعد أن طويت صفحة التشكيل ، فإن التاريخ يضع أمامكم ثلاث لوحات كبرى ، سترسم عليها صورة حكومتكم ، إما كحكومة عبرت بالعراق إلى ضفة الدولة ، أو كحكومة أخرى أضافت رقماً جديداً إلى سجل الإخفاق ..؟؟
اللوحة الأولى .. تحرير القرار المالي من عقلية الريع .. و إن الموازنة العراقية اليوم ليست وثيقة أقتصادية ، بل هي وثيقة إجتماعية بأمتياز ، هدفها شراء السلم الإجتماعي عبر الرواتب .
ُو هذا النموذج أنتحر في كل دول العالم .. لا يمكن لدولة تمتلك أحتياطي نفطي ، هو الرابع عالمياً أن تعيش قلق العجز كل عام .!!
المطلوب هو قطيعة معرفية مع إقتصاد الريع ، و أن نكف عن كوننا دولة تبيع النفط لتوزع الرواتب ، و نصبح دولة تستثمر النفط لتبني المصانع و المزارع و الجامعات .
هذا يتطلب جراحة عميقة تؤدي إلى وقف النزيف في الإنفاق التشغيلي ، و ملاحقة الفضائيين ، و تفعيل الجباية و الضرائب و الجمارك بذكاء .
و تحويل كل دينار من الإنفاق الإستهلاكي إلى إنفاق إستثماري يخلق فرصة عمل حقيقية ..!!
اللوحة الثانية .. تحرير القانون من سطوة الحماية السياسية ..
و إن أخطر أنواع الفساد ليس الرشوة ، التي يأخذها موظف صغير ، بل الفساد المنظم الذي يحمل هوية حزبية ويتمتع بحصانة سياسية .
لقد فشلت كل حملات مكافحة الفساد السابقة لأنها كانت تحارب الأعراض و تترك المرض .. المرض هو أن الفاسد في العراق لا يخاف القانون ، لأنه يثق بأن حزبه سيحميه ..!!
فهل تملكون الشجاعة يا دولة الرئيس لتكسروا هذه القاعدة الذهبية للفساد..؟؟ و هل تستطيعون أن تعلنوا أن الدولة قررت أن ترفع يد الأحزاب عن مؤسساتها الرقابية و القضائية و الإنتقائية ، هو وحده الذي سيعيد للمواطن ثقته بأن هناك دولة تحميه ، لا أحزاب تتقاسمه ..؟؟
اللوحة الثالثة .. تحرير الإمكان أقتصاداً من عقدة النفط الواحد .
لقد كتب علينا أن نكون أغنى بلد وأفقر إدارة .. نحن نطفو على بحر من النفط ، و نحرق غازنا في السماء ، و نستورد البنزين و الكهرباء و الطماطم و البيض .
هذه ليست أزمة إقتصادية ، هذه أزمة عقل .. إن بناء إقتصاد منتج هو مشروع سيادة وطنية . فحين ننهض بالزراعة..؟
نحن لا نزرع قمحاً فقط ، بل نزرع أمناً غذائياً و أستقلالاً سياسياً .
و حين نستثمر الغاز المصاحب ، نحن لا ننتج كهرباء فقط ، بل نوقف هدراً بمليارات الدولارات ..؟؟
وحين نفتح أبوابنا للصناعة و القطاع الخاص ، نحن لا نخلق وظائف فقط ، بل نخلق طبقة وسطى تحمي الدولة من الإنهيار ..!!
إن هذه اللوحات الثلاث لن تكتمل ألوانها إلا بريشة واحدة هي ريشة الوزير المستقل و الكفوء و الشجاع ..!!
ونحن حين نقول الوزير المستقل لا نقصد الوزير المتمرد الذي يبني إمبراطوريته الخاصة بمعزل عنكم ، فهذا نوع آخر من الفساد ..!!
بل نقصد الوزير الذي يفهم أن إستقلاليته تعني التزامه الحرفي بالقانون ، و ولاءه المطلق لبرنامجكم الحكومي ، و تحرره الكامل من أي إملاء يأتيه من خارج أسوار مجلس الوزراء .
لقد انتهت معركة تقسيم المناصب ، يا دولة الرئيس ، باَنتصار منطق المحاصصة .!!
فلا تسمحوا أن تنتهي معركة بناء الوطن بأنتصار ذات المنطق .
التأريخ لا يسجل كيف تشكلت الحكومات ، بل يسجل هل بنت دولاً أم هدمت أوطاناً .. و الشعب العراقي الذي منحكم الثقة ، لا ينتظر منكم توزيعاً عادلاً للحصص ، بل ينتظر منكم بناءً عادلاً للدولة ..؟؟
لقد أنتهى زمن توزيع الكعكة .. و قد حان زمن صناعة الخبز للعراقيين ..!!