الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مذبحة العملة الوطنية .. كيف ذُبح الدينار العراقي عند عتبة 1520؟

← بواسطة azzaman

مذبحة العملة الوطنية .. كيف ذُبح الدينار العراقي عند عتبة 1520؟

محمد الجوراني

 

إستيقظ العراقيون صباح يوم الأربعاء 7 تشرين الأول 2026 ، على خبر لم يكن مفاجئاً بقدر ما كان صادماً ، حيث أعلن البنك المركزي العراقي تخفيض قيمة الدينار بأكثر من 15% .

الدولار الواحد الذي كان بـ 1320 ديناراً ، أصبح اليوم رسمياً بـ 1520 ديناراً للجمهور..!!

وجاءت التسعيرة الجديدة كالتالي :

1- شراء الدولار من وزارة المالية : 1500 دينار .

2- بيعه للمصاريف : 1510 دنانير .

3- بيعه للمواطن : 1520 ديناراً .

أما في السوق الموازية ببغداد..فقد طار الدولار إلى 178 ألف دينار لكل 100 دولار ، أي 1780 ديناراً للدولار الواحد ، وعاد الفارق الكبير بين السعر الرسمي و سعر السوق السوداء ليكبر من جديد .!!

لماذا حدث هذا .. ومن هو الخاسر الأكبر .. ومن هو الرابح الوحيد..!!؟؟

سياسياً : حرب إيران و أمريكا كشفت عورة الإقتصاد .. حين قالت الحكومة إن التعديل هو "إصلاح إقتصادي يفتح آفاقاً جديدة"..!!

لكن الحقيقة التي يعرفها الخبراء هي غير ذلك تماماً .. و السبب الحقيقي هو حرب إيران و أمريكا و إغلاق مضيق هرمز ، التي شلت صادرات النفط العراقي ..!!

فصادراتنا إنخفضت  أكثر من 3.6 مليون برميل يومياً قبل الحرب ، إلى حوالي 2.34 مليون برميل في آب الماضي ..!!

والنتيجة هي عجز هائل في موازنة 2027 .. فالحكومة تتحدث عن إنفاق يبلغ 217 تريليون دينار ، مقابل إيرادات لا تتجاوز 175 تريليوناً ، أي بعجز قدره 42 تريليون دينار ، مع إحتساب برميل النفط بـ 58 دولاراً فقط ..!!

ماذا فعلت الحكومة لحل العجز..؟؟ هل قللت نفقات الرئاسات و الحمايات و الإيفادات..؟؟ هل إستكملت محاربة الفساد..؟؟ هل أوقفت إستيراد السيارات الفارهة..؟؟

لقد إختارت الحل الأسهل ومدت يدها إلى جيب المواطن .. بدلاً من أن تقلل مصاريفها .. قللت قيمة راتبه ..!!

كل دولار نفطي تبيعه الدولة اليوم ، أصبح يعطيها 1520 ديناراً بدلاً من 1320 ، أي ربحاً إضافياً يقارب 19 تريليون دينار على حسابك أنت .

 هذه ليست إصلاحاً .. بل هي جباية مقنعة ،

وهو يذكرنا بقانون سكسونيا الذي يطبق عندما تفلس الدولة ، يعاقب الفقير وحده..!!

إجتماعياً : الموظف هو الضحية الأولى ..

تعالوا نحسبها بلغة الناس البسطاء ،

موظف راتبه مليون دينار عراقي ، كان هذا المليون قبل أسبوع يساوي حوالي 757 دولاراً على سعر 1320 .. اليوم نفس المليون يساوي 657 دولاراً فقط على سعر 1520 .. يعني أن راتبه إنخفض 100 دولار في ليلة واحدة ، دون أن يسرق أحد ، و دون أن يتأخر عن دوامه ، فقط بقرار من مجلس الوزراء ..؟؟

لكن هل إنخفضت أسعار السوق 15% ..؟؟ لا  بل إرتفعت 30% ..!!؟؟

التاجر الذي يستورد الحليب و السكر و الزيت ، كان يشتري الدولار بـ 1320 ، و اليوم يشتريه بـ 1520 رسمياً وبـ 1780 في السوق الموازية .. فهل سيتحمل الخسارة..؟؟ لا .. سيحملها على سعر الحليب ، ومن يدفع .. أم الشهيد .. و المتقاعد .. و المعلم .. و الكاسب ..!!؟؟

المواطن العراقي في الداخل سيشعر أن راتبه تآكل ، و أن السوق أحترق و أن حركته توقفت ..!!

و العراقي الذي يعيش في الخارج في الشتات ، سيشعر بالوجع مضاعفاً .. كان يرسل 500 دولار لأهله فتصل 660 ألف دينار ، اليوم نفس الـ 500 دولار ستصل 760 ألف دينار ، سيفرح أهله بالرقم .. لكنه في الحقيقة نفس القيمة تشتري أقل .

هو يعمل ساعات إضافية في ألمانيا و السويد ليرسل لأهله ، و الدولة تأخذ فرق العملة ..!!

إقتصادياً : إنتحار بطيء بإسم حماية المنتج الوطني .. حيث قال البنك المركزي إن التعديل "سيدعم المنتج الوطني و الصناعة المحلية"..!!

وهذا كلام جميل نظرياً .. لكنه غير مجدي عملياً إذا لم يرافقه دعم حقيقي ..!!

نعم عندما يصبح الدولار غالياً .. تصبح البضاعة المستوردة غالية ، فيفترض أن يزدهر المنتج المحلي .. لكن أين هو المنتج المحلي الذي سينافس..؟؟

هل عندنا مصانع ورق  و مصانع دواء و مصانع حليب و ألبان  و غيرها من الصناعات المحلية ..؟؟

ما يحدث اليوم ليس حماية للمنتج الوطني ، بل هو زيادة لتكلفة الإستيراد دون وجود بديل وطني .. و النتيجة هي تضخم فقط ..!!

إن أخطر ما في قرار الـ 1520 ليس الرقم ، بل الثقة .. المواطن العراقي كان قد بدأ يثق بالدينار بعد فترة إستقرار ، و بدأ يحول مدخراته من الدولار إلى الدينار ..؟؟

اليوم برسالة واحدة  تم نسف الثقة..من اليوم فصاعداً كل عراقي لديه دينار سيحاول تحويله إلى دولار خوفاً من تخفيض قادم ، و هذا سيزيد الطلب على الدولار ويرفع سعره أكثر ..!!؟؟

من هو الرابح الوحيد من هذا القرار..ليس الدولة ، بل مافيا السوق الموازي هي الرابح الأكبر ..؟؟

عندما كان الرسمي 1320 و السوق 1450 ، كان الفارق 130 ديناراً .. و اليوم الرسمي 1520 و السوق 1780 ، الفارق أصبح 260 ديناراً .

هذا الفارق هو ربح صاف لمهربي العملة و غسيل الأموال ..!!

يا أبناء وطني في الداخل و الخارج هذه هي الحقيقة المرة :

1- الدولة لم تجد حلاً للعجز سوى تخفيض قيمة عملتك .

2- هذا القرار سيتكرر ، فنحن غيرنا سعر الصرف ثلاث مرات في ثلاث سنوات ، و هذا يعني أن الدينار لم يعد مستقراً ، بل أصبح ورقة سياسية .

3- المتضرر الوحيد هو المواطن الذي راتبه بالدينار ، و مصاريفه و حلمه و علاجه و دراسة أبنائه مرتبطة بالدولار ..!!

الحل ليس في تغيير الرقم من 1320 إلى 1520.. الحل في تغيير العقلية ، من إقتصاد ريعي يبيع النفط ليوزع رواتب ، إلى إقتصاد منتج يزرع و يصنع ..!!

إلى أن يحدث ذلك .. سنبقى نستيقظ كل سنة على سعر صرف جديد ، و راتب أقل ،  و قدرة شرائية أضعف ، تحت تبرير أنه ظروف إستثنائية و إصلاحات إقتصادية .!!؟؟

و المواطن العراقي  في الداخل و الخارج ، وحده من يدفع ثمن هذه الظروف الإستثنائية ..!!


مشاهدات 40
الكاتب محمد الجوراني
أضيف 2026/10/19 - 3:08 PM
آخر تحديث 2026/10/20 - 12:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 121 الشهر 37786 الكلي 16622955
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/10/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير