منع الحجاب بين السيادة الوطنية وضمانات القانون الدولي
علي التميمي
يثار بين الحين والآخر جدل قانوني وسياسي حول قرارات اتخذتها بعض الدول الأوروبية بمنع ارتداء الحجاب أو النقاب في الأماكن العامة أو المؤسسات الرسمية، وهو جدل يضع مبدأين من مبادئ القانون الدولي في مواجهة مباشرة، مبدأ سيادة الدولة في تنظيم مجالها العام، ومبدأ حماية الحريات الدينية الفردية.
أولا: الأصل في القانون الدولي هو الحماية لا المنع
يستند الإطار القانوني الدولي لحماية اللباس الديني إلى نصوص صريحة. فالمادة الثامنة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، والذي صادقت عليه أغلب دول العالم ومنها العراق وفرنسا، تنص في فقرتها الأولى على أن لكل فرد الحق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم.
وقد فسرت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في تعليقها العام رقم 22 أن مفهوم الممارسة يشمل ارتداء الملابس المميزة أو أغطية الرأس، وبالتالي فإن الحجاب يدخل ضمن نطاق الحماية.
وتضيف الفقرة الثالثة من المادة نفسها قيدا دقيقا على حق الدولة في التقييد، حيث لا يجوز إخضاع حرية إظهار الدين إلا لقيود ينص عليها القانون وتكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية. وهذا يعني أن المنع لا يمكن أن يكون قاعدة عامة، بل استثناء يجب إثبات ضرورته وتناسبه.
ثانيا: كيف بررت الدول المنع أمام القضاء الدولي
لجأت الدول التي فرضت الحظر إلى مفهوم طوره القضاء الأوروبي يعرف بهامش التقدير الوطني، الذي يمنح الدولة مساحة لتفسير متطلبات النظام العام وفق خصوصيتها الثقافية والدستورية.
ففي فرنسا، صدر قانون 15 مارس 2004 الذي يحظر ارتداء الرموز الدينية الظاهرة في المدارس الابتدائية والثانوية الحكومية، ثم قانون 11 أكتوبر 2010 الذي يحظر إخفاء الوجه في الأماكن العامة. وقد نظرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية ساس ضد فرنسا عام 2014، وقررت بأغلبية أن الحظر لا ينتهك الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، معتبرة أن هدفه مشروع وهو حماية فكرة العيش المشترك.
وفي سياق العمل، قضت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي في قضيتي Achbita و Bougnaoui عام 2017، وفي حكم عام 2021، بأن سياسة الحياد الداخلي التي تتبعها شركة خاصة وتحظر بموجبها جميع الرموز السياسية والفلسفية والدينية بشكل عام، لا تعد تمييزا مباشرا، شريطة تطبيقها بشكل عام ومحايد.
ثالثا: حدود المشروعية وفق معايير الأمم المتحدة
في المقابل، اتخذت آليات الأمم المتحدة موقفا أكثر تقييدا لفكرة المنع الشامل. فقد اعتبر المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الدين أو المعتقد في تقاريره المتعددة، أن الحظر العام للنقاب أو الحجاب في الفضاء العام يمثل قيدا غير متناسب إذا كان يستند فقط إلى مفهوم مجرد للعلمانية دون وجود خطر حقيقي ومحدد.
كما أن لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة سيداو، في توصيتها العامة رقم 19، أشارت إلى أن فرض قيود على ملابس المرأة في التعليم أو التوظيف قد يشكل تمييزا غير مباشر قائما على النوع الاجتماعي والدين معا، إذا كانت آثاره تطال النساء المسلمات بشكل غير متكافئ.
والخلاصة القانونية أن القانون الدولي لا يعرف حظرا مطلقا للحجاب، ولا يمنح في الوقت نفسه حقا مطلقا بارتدائه دون قيد. فالأصل هو الإباحة والحماية بموجب المادة 18 من العهد الدولي، والاستثناء هو جواز التقييد الجزئي والمؤقت والمتناسب، كما في حالات الوظائف الأمنية أو العسكرية أو متطلبات التحقق من الهوية، على أن يكون التقييد منصوصا عليه في القانون ومبررا بضرورة موضوعية، لا بموقف أيديولوجي عام.
وهنا يكمن التحدي أمام المشرع الوطني، في كيفية الموازنة بين احترام التعددية الدينية التي كفلتها المواثيق الدولية، وبين حق الدولة المشروع في تنظيم مجالها العام.
---