الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التعليم بين الحفظ والبحث.. لماذا تقدموا وتأخرنا؟

← بواسطة azzaman

التعليم بين الحفظ والبحث.. لماذا تقدموا وتأخرنا؟

أنمار الجوادي

 

حين خرج العراق من عباءة الدولة العثمانية، كان يعاني الفقر والأمية والتخلف، حتى إن الناس كانوا يتجمهرون حول المركبات الآلية بدهشة، ويتصور بعضهم أن قوة خفية تحركها من دون خيول.

ثم قامت الدولة العراقية الحديثة، وأُنشئت المدارس وفق أنظمة ومناهج مستوحاة من تجارب الدول المتقدمة، ولا سيما التجربة البريطانية. ومع ذلك، وبعد مرور أكثر من قرن، يبرز سؤال يستحق التأمل: لماذا لم يبلغ تعليمنا ما بلغه التعليم في الدول الأوروبية، رغم اقتباسنا الكثير من مناهجها؟

أرى أن أحد أهم أسباب الفارق يكمن في أسلوب التعليم، لا في قدرات التلاميذ. فالطفل العراقي لا يقل ذكاءً عن الطفل الإنكليزي، لكننا نعلّمه في الغالب كيف يحفظ المعلومة ويستظهرها في الامتحان، بينما تهتم النظم التعليمية المتقدمة بتعليمه كيف يبحث عنها ويفهمها ويناقشها ويتحقق من صحتها.

ففي التجربة الإنكليزية، يُشجَّع التلميذ منذ مراحله الأولى على الاستقصاء وإعداد المشروعات البحثية المناسبة لعمره، بإشراف المعلم وتوفير الوسائل التعليمية اللازمة. وهكذا يتعلم كيف يطرح السؤال، ويبحث عن الجواب، ويقارن بين المعلومات، ويصل إلى الاستنتاج بنفسه.

إن البحث لا يمنح التلميذ المعرفة وحدها، بل يفتح عقله، وينمّي فضوله العلمي، ويعلّمه الصبر والمثابرة وتحمل مسؤولية الوصول إلى الحقيقة. أما التعليم القائم على التلقين، فقد يصنع تلميذاً متفوقاً في الامتحان، لكنه لا يضمن بناء عقل قادر على التفكير المستقل والإبداع.

وهنا تكمن مسؤولية الدولة والمؤسسات التربوية؛ إذ لا يكفي أن نطالب التلميذ بالبحث من دون توفير المكتبات والمختبرات والوسائل الرقمية، أو تحميل أسرته نفقات الأنشطة البحثية. فالتعليم الحديث يحتاج إلى تمويل وتدريب وإرادة حقيقية لتغيير أساليب التدريس، وليس مجرد تغيير المناهج والكتب.

ومن الإنصاف الإشادة بمؤسسة الهدى التعليمية في الموصل التي أحسنت حين أدخلت البحث العلمي ضمن سياستها التعليمية، في خطوة تستحق التشجيع والاهتمام. وإذا واصلت المؤسسة هذا النهج بإشراف علمي رصين، فإنها مرشحة لصناعة فارق حقيقي في قدرات تلاميذها، ليس في مقدار ما يحفظونه، بل في قدرتهم على البحث والاستنتاج والوصول إلى المعرفة بأنفسهم.

ونأمل ألا تبقى هذه التجربة محصورة في مؤسسة واحدة، بل أن تصبح نموذجاً تستفيد منه بقية المؤسسات التعليمية.

رسالتي إلى وزارة التربية والقائمين على التعليم: إن إصلاح التعليم لا يتحقق بكثرة الامتحانات والواجبات، وإنما بتغيير فلسفته، والانتقال من تلقين المعلومة إلى تعليم التلميذ كيفية الحصول عليها، مع تخصيص الموارد اللازمة للبحث العلمي المدرسي منذ المراحل الأولى.

لقد أثبت العراقيون تفوقهم العلمي في مختلف أنحاء العالم، وهذا دليل على أن المشكلة ليست في العقول، بل في البيئة التي تتولى إعدادها وتنمية قدراتها.

فالأمم لا تتقدم بما يحفظه أبناؤها من معلومات، بل بما ينتجونه من معرفة. ولن نبني جامعة منتجة للعلم ما لم نبنِ أولاً مدرسة تعلّم الطفل كيف يسأل ويفكر ويبحث.

إننا حين نعلّم التلميذ كيف يصل إلى المعلومة، لا نعدّه لامتحان نهاية السنة فحسب، بل نعدّه لصناعة مستقبل وطنه.


مشاهدات 36
الكاتب أنمار الجوادي
أضيف 2026/10/18 - 2:10 PM
آخر تحديث 2026/10/19 - 1:27 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 130 الشهر 35696 الكلي 16620865
الوقت الآن
الإثنين 2026/10/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير