ذكرى اليوم العالمي للصحة العقلية
همام الشريفي
مقدمة
مرت علينا في اليوم العاشر من تشرين الاول الجاري الذكرى السنوية لاستذكار تاثير الصحة العقلية على النظم الاجتماعية والاقتصادية للعالم المعاصر. لا تقتصر حالات الصحة النفسية على الاقتصادات المتقدمة، إذ تُظهر الأبحاث أنها تمثل قضية عالمية تطال الأفراد في البلدان الأفقر بمعدلات مماثلة. وفي الواقع، يعيش أكثر من 80 بالمئة من الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. ومع ذلك، غالباً ما يبدو أن معدلات الانتشار أو الشيوع أعلى في الاقتصادات المتقدمة، وذلك نتيجةً لاختلافات تتعلق بالبنية التحتية للرعاية الصحية، ومعدلات التشخيص، وآليات جمع البيانات، وأنظمة التتبع المالي.
علاقة التعليم بالصحة العقلية
توجد علاقة معقدة ومتبادلة التأثير بين المستوى التعليمي والصحة النفسية. من أبرز النتائج المتعلقة بهذه العلاقة انخفاض المستوى التعليمي مما يزيد من مخاطر المشكلات النفسية، حيث يرتبط المستوى التعليمي الأعلى عموماً بانخفاض مخاطر الإصابة بالاكتئاب والقلق والضيق النفسي. وتشير الدراسات إلى أن انخفاض المستوى التعليمي قد يزيد من خطر الإصابة بحالات مثل اضطراب الاكتئاب الجسيم واضطراب القلق العام. ان تأثير الصحة النفسية على التحصيل الدراسي غالباً ما يمكن تعقب آثاره في مراحل مبكرة من العمر (مثل الاكتئاب والقلق في مرحلتي الطفولة أو المراهقة) مما يقود إلى عرقلة عملية التعلم، وتدني الدرجات، وزيادة معدلات الغياب عن المدرسة، فضلاً عن ارتفاع احتمالات التسرب المدرسي أو عدم إكمال الشهادات الدراسية. تتجاوز هذه العلاقة الكامنة من تداعيات التعليم بمراحله الأولى إلى الوضع الاجتماعي والاقتصادي، والخلفية الأسرية، وفرص العمل المتاحة.
علاقة زواج الاقارب بالصحة العقلية
يرتبط الزواج بين الأقارب (مثل الزواج بين أبناء العمومة أو الاخوال) بزيادة خطر الإصابة ببعض الاضطرابات النفسية والعقلية لدى الأبناء. من أبرز النتائج المتعلقة بزواج الأقارب والصحة النفسية، اضطرابات المزاج التي يواجهها الأطفال المولودون لآباء تربطهم صلة قرابة (مثل أبناء العمومة) مما يشكل خطراً كبيراً (يصل إلى ثلاثة أضعاف) للإصابة باضطرابات المزاج، مثل الاكتئاب أو القلق، وهذا يؤدي بدوره إلى زيادة معدلات وصف الأدوية المضادة للاكتئاب أو القلق. تشير الدراسات إلى أن خطر الإصابة بالفصام وغيره من الاضطرابات الذهانية أو الاضطراب ثنائي القطب يتضاعف تقريباً أو يرتفع لدى أبناء الأقارب. ينشأ خطر العوامل الوراثية والسمات المتنحية ويتزايد نتيجة اشتراك الآباء الأقارب في نسبة أكبر من الحمض النووي ، مما يرجح احتمالية أن يرث الطفل نسختين من جين متنحٍ ضار (نسخة من كل من الوالدين). إلى جانب العوامل الوراثية المباشرة، يمكن أن تتسبب التحديات النفسية الشديدة التي تواجهها أي أسرة في خلق ضغوط عاطفية وسلوكية ومالية كبيرة على جميع أفراد الأسرة.
نسب المعاقين عقليا حول العالم
يعاني ما يقرب من شخص واحد من بين كل سبعة أشخاص (أي حوالي 15 بالمئة+ أو ما يقارب 1.2 مليار نسمة) حول العالم من اضطراب عقلي. تكشف إحصاءات عالمية رئيسية حول الصحة العقلية ان ما يقرب من 15 بالمئة إلى 16 بالمئة من سكان العالم يعانون من حالة تتعلق بالصحة العقلية أو تعاطي المواد المهدئة . وفي مجال خطر الإصابة مدى الحياة، تشير الأبحاث التي نشرتها كلية الطب بجامعة هارفارد إلى أن 50بالمئة من سكان العالم سيصابون باضطراب واحد على الأقل من اضطرابات الصحة العقلية بحلول سن الخامسة والسبعين. من الحالات الأكثر شيوعاً اضطرابات القلق والتي تؤثر على حوالي 470 مليون شخص على مستوى العالم، واضطرابات الاكتئاب والتي تؤثر على ما يتراوح بين 322 و332 مليون شخص على مستوى العالم. عموماً تسجل النساء معدلات أعلى للإصابة بالقلق والاكتئاب، بينما غالباً ما يُظهر الرجال معدلات أعلى فيما يتعلق بتعاطي المواد المهدئة أو السلوكيات الخارجية المضطربة. تشير نفس الدراسة إلى أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و19 عاماً يواجهون بعضاً من أعلى معدلات بدء الإصابة بالاضطرابات العقلية.
اثر الموسيقى والفن التشكيلي في العلاج:
توفر الموسيقى والرسم وسيلة فعالة ومثبتة علمياً لتخفيف المعاناة المرتبطة بالصحة النفسية، إذ تؤدي ممارسة هذه الأنشطة الإبداعية إلى تغيير كيمياء الدماغ، وتقليل التوتر الفسيولوجي، وتوفير بديل قوي للتواصل اللفظي. وسواء تمت ممارستها بشكل مستقل كهواية أو كجزء من علاج مهني متخصص، فإن الموسيقى والفنون تُعد أدوات علاجية بالغة الفعالية. ان الفوائد النفسية والفسيولوجية تكمن في خفض هرمونات التوتر، حيث تعمل الأنشطة الإبداعية على خفض مستويات الكورتيزول (الهرمون الرئيسي للتوتر في الجسم) بشكل مباشر، وفي ذات الوقت تحفز إفراز الدوبامين والإندورفين، وهما مادتان تعززان الحالة المزاجية بشكل طبيعي. يساعد الرسم والاستماع إلى الموسيقى أو عزفها الأفراد على التركيز في اللحظة الراهنة، حيث ان هذا الانخراط يتسم بالتكرار أو التركيز العالي مما يحاكي ممارسات التأمل، ويساعد في كسر حلقات التفكير المفرط المرتبط بالقلق. ان المعالجة العاطفية غير اللفظية بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من الصدمات أو الاكتئاب أو القلق الشديد مهمة جدا لان التعبير لديهم عن المشاعر بالكلمات أمرٌ بالغ الصعوبة،. هنا يأتي دور الفن والموسيقى كمسار بديل يتيح للأفراد التعبير عن صراعاتهم الداخلية المعقدة من خلال الألوان أو الأشكال أو الأصوات. تساهم المشاركة في دروس الفن المجتمعية، أو فرق الكورال، أو الأنشطة الموسيقية الجماعية في تعزيز الروابط الاجتماعية ومكافحة العزلة، مما يقلل بشكل مباشر من مشاعر الوحدة التي غالباً ما تصاحب مشكلات الصحة النفسية.
التأثير الاقتصادي للإعاقة العقلية (بريطانيا مثالا):
تُقدَّر تكلفة اعتلال الصحة النفسية والعقلية في إنجلترا بنحو 300 مليار جنيه إسترليني سنوياً، وذلك وفقاً لتحليل أجراه «مركز الصحة النفسية». وتشير تقديرات أوسع نطاقاً على مستوى المملكة المتحدة إلى أن الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة تبلغ حوالي 118 مليار جنيه إسترليني سنوياً (أي ما يعادل 5 بالمئة تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة). ان تفاصيل التكاليف (تحليل خاص بإنجلترا) توزع التكلفة السنوية البالغة 300 مليار جنيه إسترليني في إنجلترا على ثلاث فئات رئيسية. الأولى هي التكاليف البشرية (130 مليار جنيه إسترليني) وهذه تتضمن القيمة المالية المقدرة لانخفاض جودة الحياة، وتراجع مستوى الرفاهية، والوفيات المبكرة. والثانية التكاليف الاقتصادية (110 مليار جنيه إسترليني) وهي الخسائر المباشرة التي تتكبدها الشركات وسوق العمل نتيجة التغيب بسبب المرض، وحالة «الحضور غير المنتج» (أي العمل أثناء المرض دون فعالية)، ومعدلات دوران الموظفين، والبطالة. والثالثة تكاليف الصحة والرعاية (60 مليار جنيه إسترليني) وهي النفقات المخصصة لخدمات الصحة العامة والرعاية المتخصصة في مجال الصحة النفسية والعقلية، بالإضافة إلى قيمة الرعاية غير الرسمية التي يقدمها الأصدقاء وأفراد الأسرة. تتحمل الأسر البريطانية ما يعادل 175 مليار جنيه إسترليني من إجمالي التكلفة، وذلك من خلال فقدان الدخل، وتكاليف الرعاية الممولة ذاتياً، وانخفاض جودة الحياة. بالمقابل تتكبد الشركات في بريطانيا خسائر تبلغ حوالي 101 مليار جنيه إسترليني نتيجة فقدان الإنتاجية ومشكلات القوى العاملة. تتحمل الدولة ما يقرب من 25 مليار جنيه إسترليني في صورة نفقات مباشرة على خدمات الصحة والرعاية الاجتماعية وخدمات الرعاية والرفاه. يقارن الاقتصاديون الاستنزاف السنوي المستمر الناجم عن اعتلال الصحة النفسية والعقلية بالصدمة الاقتصادية التي أحدثتها جائحة كوفيد-19. اخيراً تُعد الصحة النفسية والعقلية السبب الرئيسي للتغيب عن العمل لفترات طويلة والخروج من سوق العمل (الخمول الاقتصادي)، حيث يوجد مئات الآلاف من الأشخاص خارج القوى العاملة بسبب مشكلات تتعلق بالصحة النفسية.