الرغبات والإرادات وضياع الفرص
مزهر الخفاجي
الانسان مثل العربة يجُرهُ حصانين، هما الرغبة والإرادة. في حالة حضور الرغبة فقط في حياة الفرد علينا أن نتصوّر اننا سنعيش حياة التشويق لاننا جميعاً نمتلك الاحلام والرغبات والأماني، لكن.. تنقصنا الإرادة لتحقيقها.
ولو حضرت لدينا الارادة في العمل من دون توفر الرغبة والابداع ... فإننا بعد فترة ليست طويلة سنمِّل هذا العمل أو ننكفىء عنه. ويمكن ان نثبت هنا مفهوماً بدا واضحاً من ان لا رغبة بلا وعي ولا ارادة بلا بناء وتغيير ستجعلنا نعيش بسهولة كما يقول ( نيتشه).
فإذا أردنا ان نأخذ الحياة بسهولة وفق منطق الرغبات علينا ان نرضى ان نبقى دائماً مع القطيع، وإنسَ نفسك داخل القطيع، واعشق الراعي / الحاكم.. واحترس من عضات كلبه / سلطته.
وهناك من يردُ علينا القول ..في سردية واقعية فيقول قد تكون مشروعية الرغبات المجتمعية السائدة هذه الايام في مجمعاتنا مثل: الراتب، الحصّة الغذائية، الماء، الكهرباء، و الدواء هي رغبات مشروعة في حدودها الدُنيا .
نعم.. ان اخطر ما تتركه ظروف الحياة غير الكريمة.
تركات الحروب
انها تواجه الفقر أو الجوع التي لا يعيش الفرد ظروفاً سيئة فحسب بل يتذللها تحت مقولة شعبية مفادها (شبعني اليوم وجوعني غداً) والاخطر على الفرد والمجتمعات وهم يرنون برغباتهم للعيش البسيط هو ما تتركه الحروب والحصارات من الدمار. والا خطر منه القهر.. والاخطر الاخطر ان كل الضغوطات قد تصنعُ ذاتاً تتماهى مع رغباتها هو تشكيل عقل الفرد ، الذي يبدأ مع مرور الوقت برؤية المغانم.
فتتغير طريقة تفكير هذا الانسان، وتتبدل علاقته بالنظام / بالسلطة، التي حولّت الحقوق الى أماني ورغبات.. حتى يصبح القهر او النكوص جزءاً من شخصيته.. ولهذا ذهب اغلب علماء النفس الى ابراز المثالب التي تظهر على هذه الشخصية، والتي تعيش القهَر وتنمو وتضعف وتغيب فيها الارادة لفترات طويلة.
يُعّد علماء النفس ان ابرز المثالب هي:
- العيش المستمر تحت ستراتيجية الخوف الدائم من التغيير بمعنى ان الخوف سيفقد الفرد والمجتمع ارادة التغيير.
- الاعتماد المطلق على السلطة وغياب الرؤية الواضحة في الحصول على الحقوق والحريات الوطنية .
- وان شيوع ظاهرة الرغبات و المنافع تضعف الثقة بالنفس وانعدام روح الارادة المجتمعية بالتغيير .
- اختفاء روح المبادرة الاجتماعية.
- توجيه روح الغضب وشيوع ظاهرة العنف المجتمعي بين الأسرة والجماعات الشعبية كتعبير او متنفس للحظة مواجهة الغضب لما في الحكومة / السلطة الغاشمة، الزعامات الظالمة.
ووفقاً لهذا المنطق تصبح المجتمعات بلا ارادة قوية وغير قادرة على الالتحام بأحلام وطموحات الاغلبية الشعبية في (العيش -الحرية -الكرامة الوطنية) و لانها لا تملك القوة ولا المقدرة على مواجهة الظلم المستشري في مفاصل الدولة!!.. والغالب في مجتمعاتنا ومنها المجتمع العراقي الذي ساهم الى غياب مفهوم الارادة الواعية عند الممسكين بالسلطة.
إذ ان من عيوب هذه الادارات هو غياب الاهلية والكفاءة وانحسار الوعي، يضاف اليها عندما تتحول السلطة الى رغبة او غاية، وليست وسيلة للخدمة والتغيير. والادهى من ذلك انها ترفع شعار الحرية والديمقراطية كوسيلة من وسائل الوصول الى السلطة.
وبذلك تتحوّل الارادات المعلنة الى رغبات مكبوتة، والمأساة عندما يتسنى لاصحاب الرغبات المسكونة بالسلطة يتصرفون وكأن الدولة اصبحت ملكاً لهم.. عندها تتحول المؤسسات الى أدوات ولاء.
وايضا تتحول القوانين الى اسلحة ضد المعارضين، فضلا عن تحوّل الوظائف الى مكافآت للمُقربين، والثروة العامة الى غنائم خاصة. والذي يقرأ التاريخ السياسي المعاصر للدولة الحديثة..
من ان الدولة الوطنية الحديثة لاتنهار بسبب قلة الموارد بل بسبب فساد السلطة.. وسوء استخدامها. فالسلطة التي لا تقبل النقد.. تبدأ بفقدان بصيرتها والسلطة التي تكمم الأفواه.. لا تمنع الحقيقة، بل تؤجل انفجارها.
والسلطة التي تقصي اصحاب الكفاءات.. وتقدّم الولاء على الكفاءة والنزاهة.. فانها تبني مستقبلاً لدولة ومجتمع هشّاً ضعيفا مهما بدا قويا في الحاضر. ان هذا التعارض بين رغبات الافراد والجهات وارادتها في العيش.
قد يشوبها نوعاً ما من النفاق الاجتماعي المتبادل. ونقصد جوع الناس والقهر الذي يعيشونه سيقتل الرغبة في المشاركة في البناء والتغيير وسيساهم هذا القهر في قتل ارادة العمل والتخطيط الصحيح.
لذلك يستمع للنفاق الذي هو شائع بين المواطن المقهور ورجال دولته الغاشمة. والنفاق الاجتماعي كماا يُعرّفه المشتغلون في علم الاجتماع السياسي على انه ليست حالة عابرة. فضلا عن ذلك فان النفاق المجتمعي ليست حكرا على شعب او مجتمع محدد.
بل هو ظاهرة اجتماعية عالمية.. تتخذ صوراً متعددة وتختلف باختلاف البُنى الاجتماعية للمجتمعات. نعم... حين يغيب الوعي تصبح اعظم الافكار.. هي اخطر الاسلحة.
فالرغبة والارادة بالسير الى استكمال تجربتنا على طريق الحرية.. قد يحوّل هذه الديمقراطية الى فوضى... والجدير بالذكر ان الفيدرالية في الدولة الاتحادية الديمقراطية ليست سببا الى تقسيم الدول، لكن التعصب وسوء الفهم!!
المدنية والعلمانية
قد تحولّها الى الغام ومشاريع ذات نزعات فردية، اكثر من كونها حقاً تشفع له ارادة الخيرين؟ وليست لنزعات ورغبات مريضة. كما ان المدنية والعلمانية ليستا للحرب على الدين او لفرض سلوك مجتمعي معين لكي يلغي الايمان وفرض الالحاد.
لكنها عندما ُتفهم العلمانية او تُفسر بصورة خاطئة تتحول وفق منطق معارضة ( الرغبات مع الارادة الخيرة) الى وقود للصراعات والانقسام.
وعلينا أن نقّر... هنا امراً مهماً .. مفاده ان المشكلة ليست في الدساتير او الانظمة.. بل في العقول التي تديرها او تتحكم بها لرغبات معينة وارادات مشوهة. فالشعوب التي لا تحترم التعاون ستجعل من الديمقراطية كأسلوب حياة.
حيث تحولها الى صراع على السلطة ووسيلة هدفها لا لخدمة الوطن. وان الشعوب التي تقدّم القبيلة او الطائفة او العِرق على الوطن ستحول الفيدرالية الى مشروع تمزيق ويساعد في شرذمة النسيج الوطني الذي تشكّل عبر التاريخ.
والشعـــــــــــوب التي تناقش الآراء والافكار بارادة الـــــــــكراهية ستجعل اية فكــرة.. مهما كانت سبباً في العداء، بدلاً من ان تكون باباً للحوار. وعلينا ان نعترف هنا.. من انه لا يوجد نظاماً سيئاً قادراً على انقاذ شعب.
حينما يسعى المسكون بالسلطة الى رفض كل مقدمات الوعي وتقديم الرغبات المريضة والارادات المشوهّة. ولا يوجد دستور يستطيع حماية وطن.. إذا غابت المسؤولية والاخلاق وسيادة القانون عند الجماعة الوطنية، واذا لم يحضر الضمير الواعي بديلاً عن الرغبات المريضة والوعي المكرس لخدمة الجميع عند المسؤول ومؤسسات الدولة
فتكون الظلم والقهر والتهميش بديلاً عن الارادة الشخصية التي تفرق اكثر مما تجمع، وتضره اكثر مما تخدمه.. وتضيّع فرص التقدم فيتمادى كل الطارئون والمتسيدون على السلطة بمحض الصدفة وهو امر جلل في تكريس ذواتهم ورغباتهم المريضة.
فيساهمون في استمرار مرض عضال الدولة وفشل تجربتها الوطنية .