قصة قصيرة
هنالك مكان خالٍ للإيجار في مُخيلتي
حيدر عصام
خرجَ للتو، حاملاً بيمينه قرارَ الإفراج عنه لعدم كفاية الأدلة، يسير بخطى متعثرة، ويرى الناس بوجوه مشوشة، جائعٌ، متسخ الثياب، يحاول تصفيف شعره الأشعث بأصابع يده، خجلاً من نظرات الناس من حوله، ينظر إلى ساعة يده فلا يجدها؛ سرقها ذاك البدين في حجرة التوقيف، كما سرق نظارته التي لا يجيد النظر من دونها. يفكر ملياً في كيفية نجاته من فكوك أسماك القرش التي كانت تحيط به، ظل أياماً يناقش مجموعة من المحققين في الفلسفة وطرائقها، لم يكونوا يفقهون عنها شيئاً، إلا أنهم كانوا يحدقون في وجهه بأعين جاحظة، بحثاً عن كلمة ما في أثناء حديثه، تؤدي به إلى السجن. ظل يبرر أفكاره لساعات، أُقيمت بحقه دعوى لنشره مقالاً موجهاً إلى رئيس الدولة، فزجوا به في السجن للتحقيق معه، تارةً بتهمة ازدراء الأديان، وتارةً أخرى بتهمة إهانة رئيس الدولة، غير أنه أوهن من أن يتحمل كلتا التهمتين؛ فهو أستاذ جامعي متخصص في علم الاقتصاد، هزيل الجسد، يشكو مرضاً في القلب، ذنبه الوحيد أنه أراد طرح بعض الرؤى عن الآثار الفلسفية للإلحاد في مجتمعه، مدح الإلحاد في مقاله لكونه يمجّد الشك، والشك أساس تناقض الأفكار التي تولّد التطور في كل المجالات، ثم عاد ليمجّد الرب، ويقدّس التدابير الإلهية في شؤون الخلق، وفي الختام، وجّه إلى رئيس الدولة توسّله والتماسه، طالباً منه أن يُلغي قراراً اتخذه بشأن الاقتراض من البنك الدولي بفائدة مرتفعة ترهق اقتصاد الدولة عند السداد، فقد قرر الرئيس اقتراض مليارات الدولارات لإنشاء دار عبادة كبيرة تخلّد اسمه على مر التاريخ، إلا أنه سيموت، وسيبقى اسمه وديون البنك الدولي يثقلان كاهل المواطن لأجيال. شرح في مقاله أثر الاقتراض والتضخم الذي سيصيب عملة الدولة، وشرح أيضاً ما سيتكبده المواطن من غلاء، وكيف سيفقد دخله قدرته الشرائية، وسيصيبه الجوع والعوز، ناشد رئيس الدولة، بصفته أحد المعترضين على الاقتراض، وأبدى استعداده لأن يُتّهم بالإلحاد، كتب بشجاعة نيابةً عن ملايين البشر من ذوي الدخل المحدود، وقال إن أصواتهم ستنضم إلى صوته، وإنهم سيدعون إلى الإلحاد لمنع بناء دار العبادة الباهظة الثمن، ووضع لمقاله عنواناً: "يا رجاء الملحدين". أغضبت مقالته تلك مبتكر فكرة الاقتراض، وهو زوج ابنة الرئيس، فطلب من الرئيس إحالة الكاتب إلى التحقيق، وحالما وقف أمام القضاة، أُجبر على إبداء الندم، وعلى الكذب والافتراء بشأن مقصده مما كتبه، كي يعود سالماً إلى زوجته وابنتيه. أُفرج عنه لندمه وتعهدِه بعدم تكرار ذلك، إلا أن القانون الجنائي لا يسمح بذكر هذه العبارات ضمن القرارات القضائية العادلة؛ فكتبوا في القرار "عدم كفاية الأدلة لإدانته"، وفي أثناء عودته، مرّ على صديقه بائع الكتب، لعله يجد بعض الماء ليغسل وجهه، خشية أن ترى ابنتاه في ملامحه انكساراً، ولطالما لقّنهما دروساً في شدة البأس. جلس في مكتبة صديقه، وبقربه وجبة طعام وكأس من الماء، تأثر صديقه لحالته التي تُرثى لها وكادَ أن يذرف الدمع، طلب منه أن يجري اتصالاً بزوجته، أخبرها بخروجه سالماً، فأخبرته بأنها أبلغت ابنتيه بأن سبب غيابه لأيام هو إلقاء محاضرة في إحدى المدن البعيدة، همّ صديقه بالذهاب إلى السوق، بينما تناول الكاتب وجبته، وأحضر له دميتين ليعطيهما لابنتيه، فتصدّقا كذبة سفره، وقف الكاتب شاكراً له، فسأله صديقه، ملاطفاً، إن كان يرغب في اقتناء كتاب جديد من كتب الاقتصاد أو الفلسفة، فرفض، طلب منه أن يعطيه كتاباً يغيّبه عن الواقع، واستدرك قائلاً: "أعطني ما شئت، فهنالك مكان خالٍ للإيجار في مُخيلتي".