الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قرار كردستاني صادم

← بواسطة azzaman

لمن تقرع الأجراس؟

قرار كردستاني صادم

هاشم حسن التميمي

 

ليس هنالك بشر على هذه المعمورة لا يدرك حجم معاناة الأكراد من ظلم الحكومات ومحاولاتها التعسفية لمحو هويتهم، لكن هذا لا يبرر إطلاقًا بعض التصرفات التي تسيء إلى القضية الكردية ولا تنصفها، ونحن في الربع الأول من الألفية الثالثة.

نقول ذلك بعد صدور قرار عن أحد القضاة في السليمانية، وهو قرار عجيب يتقاطع مع الدستور والمفاهيم العالمية لحقوق الإنسان. وقد نصّ القرار على منع تسجيل العقارات للعراقيين من أصول عربية، بذريعة الحفاظ على الهوية الكردية والنسيج الديموغرافي، وإيقاف التعريب في مدن الإقليم.

ولو كان هذا القرار قد صدر في زمن النظام السابق، لساندناه بقوة في مواجهة سياسة التعريب العنصرية والتعسفية، ضيقة الأفق، التي أرادت طمس هوية شعب عظيم حارب، وبقسوة، على مدى قرون طويلة، الدكتاتوريات القومجية التي تسحق الشعوب ولا تعترف لها بالحد الأدنى من الحقوق، إلا في ظروف ضعفها وضمن تكتيكاتها السياسية.

وقد تجاهلت تلك السياسات الدور الكبير للأكراد في بناء الدولة العراقية، وإسهامهم في رفد الثقافة العراقية والعربية والإسلامية والإنسانية بالعقول الفذّة في مختلف المجالات، من الجامعات والطب إلى حركة الإعمار والثقافة والفنون.

إن هذا التوجه يشكّل سابقة خطيرة، ونحن نعيش في ظل تجربة سياسية وجد فيها الأكراد حريتهم وانتزعوا مكانتهم التي يستحقونها، بعد ربع قرن من محو آثار التفكير الصدامي وسياساته المنحرفة. وأصبح الأكراد يتولّون مناصب سيادية في العراق الجديد، ويسهمون في إدارة مفاصل صنع القرار في بغداد والإقليم، ويتمتعون بمكانة اجتماعية وسياسية تليق بهم وبدورهم النضالي والفكري عبر العصور.

وبالتأكيد، فإن لهذه المعاناة الطويلة ترسّباتها في العقل الباطن، وما تخلّفه من ردود فعل ومخاوف. وهي مخاوف مشروعة بالنظر إلى حجم المعاناة وتوقيتها وظروفها، لكن المبالغة فيها، والشعور بعدم الثقة بالشريك الآخر في الوطن أو بالسلطات، قد يتحولان إلى حالة مرضية تنعكس في تصرفات تعرّض شعبنا الكردي لردود فعل وسوء فهم هو في غنى عنهما.

ولا سيما حين تصدر هذه المواقف عن مجموعات كردية صغيرة تصف نفسها بالأكاديمية، وتعيش في أوروبا وأمريكا، وتحمل جنسيات تلك البلدان وتتمتع بكامل الحقوق فيها، لكنها، وللأسف الشديد، تروّج عبر وسائل التواصل الاجتماعي أفكارًا ومخاوف عنصرية. بل إنها نشرت أناشيد وطنية تمجّد قرار طرد العرب من السليمانية، وتدعو بقية مدن الإقليم إلى التخلص مما تصفه بـ«الاحتلال العربي»، من خلال الدعم المادي والإعلامي والتحريض الشخصي، فضلًا عن تجنيد محامين وقضاة.

وفئات اخرى لا تدرك ابعاد هذه التصرفات غير المسؤولة.

ويبدو أن هذه المواقف تتجاهل أن رموز الحركة الوطنية الكردية كانوا سبّاقين إلى رفع شعار الديمقراطية للعراق كله، وكان لهم الفضل في جمع شتات المعارضة، من أجل إنقاذ العراق بأسره، وليس كردستان وحدها.

إن «القومجية» من مختلف الأطراف يسوّقون الخوف والانفصال، متناسين أن أبرز قيادات الحركة الكردية، بدءًا من الملا مصطفى بارزاني، وصولًا إلى الزعيم مسعود بارزاني،  ومام جلال مثّلوا، في فكرهم ونضالهم، رموزًا وطنية عراقية بهوية كردستانية، اتسمت بالاعتدال والابتعاد عن التطرف.

إن هذا الخطاب سيشجّع أطرافًا أخرى على تكريس النزعات القومية والطائفية والمذهبية في مدن عراقية عانت الانقسام والتشرذم، في وقت ترنو فيه هذه المدن إلى بناء تجربة وطنية مدنية ومتحضرة، في ظل دولة المواطنة، لا دولة الطوائف والقوميات.

وأقسم بالله، لو حدث أن منع قاضٍ أو أي مسؤول إداري مواطنًا كرديًا من التمتع بحقوقه المدنية، أو حرمه من أبسط حقوقه، لبادرت إلى ضربه بالطماطم المتعفنة، وإن تمادى، فبفردة حذاء، على الطريقة التي تلقّاها بوش الابن!

أوقفوا هذه المخاوف، وأسكتوا الأصوات النشاز، ولتعلُ أصوات الأكراد الأصلاء، أبناء كردستان وأبناء العراق الموحّد.

 


مشاهدات 125
الكاتب هاشم حسن التميمي
أضيف 2026/10/25 - 3:02 PM
آخر تحديث 2026/10/26 - 4:33 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 573 الشهر 51542 الكلي 16636711
الوقت الآن
الإثنين 2026/10/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير