الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الإنتاج المحلي.. الطريق الأقصر إلى إستقرار الأسواق

← بواسطة azzaman

الإنتاج المحلي.. الطريق الأقصر إلى إستقرار الأسواق

اكرم سالم

 

لم تعد حركة الأسعار في الأسواق العراقية مجرد أرقام تتغير من يوم إلى آخر، بل أصبحت هاجساً يومياً يثقل كاهل الأسر، خصوصاً الفئات الفقيرة والطبقة الوسطى التي تجد نفسها أمام ارتفاع متواصل في كلفة المعيشة، في وقت لا تتحرك فيه الدخول بالسرعة نفسها التي تتحرك بها أسعار الغذاء والسلع الأساسية.

وتبدو المواد الغذائية في مقدمة السلع التي يلمس المواطن ارتفاع أسعارها بصورة مباشرة، نظراً لارتباطها بالحاجات اليومية التي لا يمكن الاستغناء عنها أو تأجيل شرائها. ومع كل زيادة في أسعار المواد الأساسية، تتقلص قدرة الأسرة على الوفاء باحتياجاتها، وتضطر إلى إعادة ترتيب أولوياتها والاكتفاء بما هو ضروري، الأمر الذي يجعل التضخم قضية معيشية واجتماعية قبل أن تكون مؤشراً اقتصادياً.

وتتداخل في ارتفاع الأسعار عوامل عدة، بعضها مرتبط بالأسواق العالمية واضطراب طرق التجارة والنقل وارتفاع تكاليف الشحن، وبعضها الآخر يرتبط بكلف الاستيراد والرسوم والنقل الداخلي، فضلاً عن دور الوسطاء وحلقات التوزيع والمضاربات التي يمكن أن تضيف أعباء جديدة إلى السعر النهائي للسلعة.

وفي مواجهة هذه الحالة، تكتسب الرقابة على الأسواق أهمية كبيرة، خصوصاً لمنع الاحتكار والتلاعب واستغلال حاجة المواطنين. كما أن ضمان وصول مفردات السلة الغذائية إلى مستحقيها بالكميات والمواصفات المحددة يمثل إجراءً ضرورياً لتخفيف جزء من الأعباء عن الأسر، إلا أن الرقابة وحدها لا تستطيع معالجة مشكلة ارتفاع الأسعار إذا بقي الاقتصاد معتمداً بدرجة كبيرة على السلع المستوردة.

زيادة الانتاج

الحل الأكثر استدامة يبدأ من زيادة الإنتاج المحلي. فكلما توسعت قدرة البلاد على إنتاج المواد الغذائية والسلع الأساسية، أصبحت السوق أقل تعرضاً للصدمات الخارجية، وتراجعت الحاجة إلى استيراد بعض المنتجات التي يمكن تصنيعها أو إنتاجها محلياً. وهذا يتطلب رؤية متكاملة لدعم المصانع والمعامل والمشروعات الزراعية والغذائية، وليس مجرد إجراءات مؤقتة ترتبط بارتفاع الأسعار في مرحلة معينة. ويأتي توفير الطاقة في مقدمة متطلبات دعم الصناعة المحلية، إذ لا يمكن لمصنع أن ينافس في السوق إذا كانت كلفة تشغيله مرتفعة بسبب عدم استقرار الكهرباء واعتماده على مصادر بديلة أكثر كلفة. كما أن تسهيل الحصول على التمويل، وخفض التعقيدات الإدارية وروتين القروض وسعر الفائدة ، وتوفير الأراضي الصناعية والخدمات الأساسية، كلها عوامل تساعد على خفض كلفة الإنتاج وتحسين قدرة المنتج المحلي على المنافسة.

أما القطاع الزراعي، فيحتاج إلى اهتمام مماثل، لأنه يمثل قاعدة مهمة للأمن الغذائي. فزيادة إنتاج الخضراوات والحبوب والمنتجات الحيوانية، وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، وتحسين أنظمة الري والتخزين والتسويق، يمكن أن تقلل من الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وتحد من التقلبات الحادة في أسعار المنتجات الغذائية.

كما أن دعم الصناعات الغذائية يمثل حلقة أساسية في هذه المعادلة. فبدلاً من تصدير المنتجات الزراعية الأولية أو تركها عرضة للتلف، يمكن تحويلها إلى منتجات مصنعة ذات قيمة مضافة، الأمر الذي يوفر فرص عمل جديدة، ويزيد النشاط الاقتصادي، ويمنح السوق منتجات محلية قادرة على منافسة المستورد.

لكن حماية المنتج المحلي لا تعني ترك المستهلك أمام سلع مرتفعة السعر أو منخفضة الجودة. اذ ان المطلوب هو بناء علاقة متوازنة بين المنتج والمستهلك، تقوم على تقديم حوافز حقيقية للصناعة  والزراعة الوطنيتين مقابل الالتزام بالجودة والمواصفات والأسعار العادلة. فدعم الإنتاج لا ينبغي أن يتحول إلى حماية دائمة لمنتج غير قادر على المنافسة. وفي المقابل، تحتاج الأسواق إلى نظام رقابي ومتابعة جادة أكثر فاعلية يعتمد على متابعة سلسلة تجهيز وتصنيع السلعة منذ دخولها أو إنتاجها وحتى وصولها إلى المستهلك. كما أن نشر المعلومات عن الأسعار وكلف الاستيراد والإنتاج يساعد على كشف الفوارق غير المبررة ويحد من فرص الاستغلال والمضاربة.

وتبرز هنا أهمية بناء مخزون استراتيجي مناسب من المواد الغذائية الأساسية، بما يسمح بالتدخل عند حدوث نقص مفاجئ أو اضطراب في الاستيراد.

فاستقرار الإمدادات الغذائية يمنح السوق قدرة أكبر على امتصاص الصدمات ويمنع تحول أي اضطرابات خارجية إلى موجة غلاء واسعة.

عملية منظمة

إن معالجة التضخم الجامح والتذبذب الشديد في أسعار السلع لا يمكن أن تعتمد على إجراء واحد يتيم . بل إنها عملية منظمة مترابطة عضويا تتطلب تنسيقاً بين السياسات المالية والتجارية والزراعية والصناعية والرقابية، مع إعطاء الأولوية للسلع التي تشكل الجزء الأكبر من إنفاق الأسرة. وفي نهاية المطاف، فإن المواطن هو الحلقة التي ينبغي أن تقاس بها نتائج أي سياسة اقتصادية. فنجاح خطط دعم الصناعة والزراعة لا يقاس فقط بعدد المصانع التي يتم افتتاحها أو حجم الاستثمارات المعلنة، وإنما بمدى انعكاس ذلك على الأسعار وفرص العمل والدخل والقدرة الشرائية.

وإذا كان استقرار الأسعار هدفاً اقتصادياً، فإن حماية القدرة الشرائية للمواطن هي جوهر هذا الهدف. والطريق إلى ذلك لا يمر عبر مراقبة الأسواق فقط، بل عبر سوق تنتج فيه البلاد نسبة أكبر من احتياجاتها، وتخفض كلف الإنتاج والنقل، وتحد من حلقات الوساطة الطفيلية ، وتضمن منافسة حقيقية بين المنتجين. عندها يصبح دعم الإنتاج الوطني أكثر من شعار اقتصادي؛ اذ يصبح وسيلة مباشرة لحماية المستهلك، وتعزيز الأمن الغذائي، وتقليل أثر الأزمات الخارجية، وبناء سوق محلية  أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة موجات التضخم وتقلبات الاسعار البشعة والصادمة  دون أن يدفع المواطن، ولا سيما الفقير ومتوسط الدخل، الكلفة الأكبر في كل مرة.


مشاهدات 35
الكاتب اكرم سالم
أضيف 2026/10/14 - 2:23 PM
آخر تحديث 2026/10/14 - 10:48 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 2079 الشهر 26746 الكلي 16611915
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير