النفط الإيراني .. الحصار وكسر الخناق
إياد العناز
سعت إيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة الأمريكية إلى اعتماد سياسة إطالة الوقت والاستفادة من الجغرافية السياسية التي تتمتع بها عبر المساحة البحرية لمضيق هرمز وأهميتها في إمدادات الطاقة الدولية والتجارة العالمية، وتم تحويل ساحة المواجهة من المسار العسكري المباشر إلى الاتجاه الدولي والإقليمي الذي يتلخص في مواجهة المنافع والمصالح الاقتصادية والاستثمارية لدول العالم.
أدركت إيران عدم قدرتها وامكانياتها في مجاراة القوة العسكرية الأمريكية، فاستخدمت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة في استهداف الأهداف الاستراتيجية والاماكن والقواعد العسكرية والمصالح الاقتصادية حيث التواجد الأمريكي، واعتمدت على زرع الألغام البحرية وتسير الزوارق السريعة (زوارق البعوض) والقيام بفعاليات عسكرية ضد السفن والناقلات البحرية في سعيها لمواجهة القوة البحرية الأمريكية والتعرض لأسواق الطاقة العالمية، ورأت أن موقعها الجغرافي على سواحلها البحرية يمكن أن يساهم في تعويض امكانياتها في المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية.
عملت إدارة الرئيس دونالد ترامب على منع إيران من تحقيق أهدافها وغاياتها في خطتها بنقل ساحة المواجهة إلى الآفاق العملية التي تهدد الاقتصاد العالمي ووقف إجراءاتها في مضيق هرمز، بتطويقها بالحصار البحري والعقوبات الاقتصادية، وعملت إيران على استمرار نهجها وسلوكه بالتاثير على ارتفاع أسعار النفط وجعل مضيق هرمز حالة نفوذ استراتيجي له تأثيرها الأكثر حضورًا من أي تأثيرات ميدانية على الأهداف والأماكن التي تستهدفها صواريخها بعيدة المدى.
عندما اعتبرت طهران مذكرة التفاهم المشتركة التي وقعت في العاصمة الباكستانية (إسلام آباد) انتصاراً لها كونها نصت في احدى فقراتها على استئناف صادرات النفط الإيراني وتخفيف العقوبات الاقتصادية بشكل متدرج، واعتبرتها بعض الأوساط السياسية الأمريكية المعارضة لنهج ترامب في تعامله مع إيران ( هزيمة استراتيجية للولايات المتحدة).
سقوط مذكرة
وبسبب الاختلاف بين واشنطن وطهران حول كيفية التعامل مع الأوضاع الميدانية في الجنوب اللبناني ومضيق هرمز، سقطت المذكرة ولم تلقي اهتمامًا ميدانيًا في التطبيق الفعلي الذي من أجله تم الاتفاق عليها بوساطة عربية وإقليمية.
أصابت المواجهة الأمريكية الإيرانية أماكن مهمة واستراتيجية تتعلق بصناعة النفط وبأمن المنشآت وخطوط النقل وموانئ التصدير وحركة الناقلات، وتضررت الصناعة النفطية الإيرانية بسبب الحصار البحري ومحاولتها رفع إنتاجها، فإن البرميل المنتج لا يتحول لايراد مالي إلا بعد أن يمر بعدة مراحل، تبدأ من أولى مراحل استخراجه ونقله وايصاله للجهات والشركات والدول التي ترغب به، وهي مسارات تشمل محطات التجميع والمعالجة وخطوط الأنابيب ومرافق التخزين والموانئ والناقلات والتأمين وآليات تحويل عائدات التصدير، وأي خلل في إحدى هذه الحلقات يقلل القيمة الاقتصادية للزيادة في الإنتاج.
الإجراءات الحكومية الإيرانية في مواجهتها للعقوبات ورغم بلوغ انتاجها من الغاز مستويات مرتفعة، إلا أنها دعت الإيرانيين إلى خفض استهلاك الطاقة مع اقتراب موسم الشتاء، وهذا ما يعني اتساع الفجوة بين القدرة الإنتاجية وهامش الأمان المتاح للشبكة، فكلما زاد اعتماد الإنتاج على عدد محدود من الحقول والمنشآت وموانئ التصدير، ازدادت قدرة أية حادثة أو هجوم على أحداث تأثيرات تتجاوز موقعه المباشر، وفي ظل العقوبات تصبح المشكلة أوسع، لأن اصلاح منشأة متضررة يحتاج معدات وقطع غيار يكون الحصول عليها أكثر صعوبة وتكلفة بسبب العقوبات الاقتصادية والحصار البحري.
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي استراتيجي لإيران، بل جزء من البنية الاقتصادية التي تربط إنتاجها النفطي بالأسواق الخارجية، وكلما تعطلت حركة الناقلات أو ارتفعت أخطار العبور زادت كلفة النفط والتأمين، وشكلت عائق كبير وضغط مباشر على قدرة إيران بتصدير النفط المنتج، وتضعف امكانياتها في تحويله لعوائد مالية بسبب الضغوط العسكرية والاقتصادية.