مضار الخَلط بين الحريّة والسعادة
مزهر الخفاجي
الجهل أساس كا ما نعيشه من شرور...
الجهل مع الحرية فوضى...
الجهل مع الثروة فَساد...
الجهل مع السلطة استبداد...
والجهل مع الفَقر.. إجرام...
هذا ما أراد ان يصدره لنا الكثير من المشتغلين بفلسفة السياسية في هذه المقدمة... فهم يرون ان الرذيلة والشَر هما نتيجة مباشرة للجهل الذي يسود.
فالإنسان السَوي... لا يفعل الشَر وهو يعلم إنه شَر؟ بل لجهله بالخير الحقيقي.. وكثيراً ما كتبنا وكتب غيرنا من ان ثنائية الجهل والسلطة إنما هي السمة الطبيعة لشيوع ظاهرة الاستبداد. التي بدَورها ستنسف مستقبلاً لا مُحال مُبررات وجود السلطة ونقصد بها الجماعة الوطنية الحاكمة، التي أوكَلَ اليها الشعب أمرُ تسيير شؤونه وتوفير مستلزمات الحياة الكريمة ومبررات عيشه!!.
ولا نُغالي او نتجنى على أحد حين نقول: ( إن قيادة الدولة.. حلم وخبره متراكمة ، وحكمة تؤدي حتماً الى الطغيان والخَراب.. نعم. ان الحياة تتطلّب الكثير من الجُهد كي نراها جميلة.. وإن حَمَلَنا هذا الامر على العيش تحت وطأة الطغيان أو الفساد ... الذي قد يكون بصيغة الاستبداد او الديمقراطية... او الفوضى.
لذلك يصّح أن نقول:
إن أجمل الارواح تلك التي تجمعُ بين هاجسها الانساني وهمومها الوطنية... هي التي تنبثق من الصراعات، فالالم الذي تعيشه الشعوب المظلومة او المحرومة... يجب ان لا تكون عائقاً، بل وسيلة تفتح للانسان نوافذ أخرى ليتمتع بها المواطن بنعمة المعرفة والحرية، ليصل الى مُبتغاه.
حلم مستحيل
وأقصد هنا. السعادة التي يصفها العالِم ( فرويد) على ان السعادة هي حلم الانسان المستحيل، فقد خُلِقَ الانسان ليحارب ذاته.. ليُدرك حجم عيوبه.
ان المعاناة والظروف القاسية... هي الاختيار الوحيد الذي لا يكذب.. فهي تتكفل بفوز الافكار والقِيَم الحقيقية ومبادىء الحرية، عن غيرها من القِيَم والأنماط السلوكية التي حرّفَت: الحرية، الوعي، والانسانية عن جادتها الحقيقية.
فالديمقراطية على رأي ( برناردشو): لا تَصْلُح لمجتمع جاهل لان اغلبية من ( الحمير والجهلاء) ستحدد مصيرك.. او الذي تمارسه نتيجة لخيار غيرك. وهذا يعني ان الديمقراطية كنمط من انماط الحكم السياسي لا تنجح إلا عندما يكون الشعب واعياً، قادراً على الاختيار بحريّة في اختيار الذين سيمنحهم الفرصة في ان يحكموه.
نحن نعتقد اننا نبحث جميعاً عن السعادة.. كونها منجاة من الشقاء الذي خلق الصراع المستمدام بين الحرية والظلم او الصِراع بين الحرية والجهل. نعم. كل الشعوب الطامحة للعيش في حدودها الدُنيا، وليس الطامحين لتحقيق السعادة.
على الرغم من ان الناس يتفقون على معنىَ واحد للسعادة.. وان جميع البشر يسيرون نحو الهدف نفسه.. لكنهم يختلفون في اختيار الطريقة التي تُحقق ذلك؟. فهذا يبحث عن السعادة بالجاه والسلطة وآخر يبحث عنها في امتلاك المال.
وآخر في الحُب... وغيره في الشُهرة، وعلى الرغم من اختلاف الطرق التي يتبعونها... تبقى الدوافع واحدة، لان كل انسان يعتقد ان ما يسعى اليه سيجعله اكثر سعادة من غيره.
لكن الغريب ان الناس وهم يلهثون باتجاه احلامهم وامانيهم واهدافهم لتحقيق السعادة يواجهون مشكلة تبدأ عندما يخلطون وبجهل واضح بين اللذة والسعادة؟.
فاللذة لحظة.. اما السعادة فهي اسلوب حياة.. والحرية كما نعتقد هي العتبة الاولى لتهذيب اللذة والأمساك بالسعادة المتبناة وحين نعود للواقع قليلاً ونقول ان كثيراً من اللذين يمسكون بتالبيب السلطة في العالَم والمنطقة العربية خصوصا العراق الى الان لايستطيعون ان يميزوا بين ثمن الحرية وجدوى السعادة لا يضعون يدهم على الطريقة الناجحة للوصول اليهما.
وقد اختلط عليهم ايضاً فالكثير يلهث يأتجاه حرية لا حول لها ولا قوة ىلاتستطيع ان تجلب رغيف خبز !! واخر مستمتعٌ بسعادة مبتلاة رغم انهُ يرزحُ بعبودية اختارها لنفسه..
نعم. ان الكثير من الطامحين للحرية او السعادة من مجتمعاتنا يظلون الطريق حينما يبحثون عن الوسائل وينسون الغاية.. لذلك يقضي سنوات عُمرَهُ بجمع ما يظنه هو الذي يسهّل له الطريق للوصول الى السعادة.. لكنه بعد حين يكتشف انه لم يعشها يوماً.
وأنا مثلكُم أعرف... كثيراً من الممسكين بالسلطة والذين يعيشون وهم الحرية وبجهل واضح وارادة غاشمة يخلط بين الجهل والحرية، فبعض منهم حصل على مقعد في مجالسنا التشريعية والتنفيذية.. يضنُ من أنها الطريق لتسويق ذات حائرة بين التعبير عن حريتها وان توفر له سعادة مشتهاة .
وانها ستسّهل عليه الأمور فيما بعد امور الفهم ، لكنه يجهل انها مغموسة بالخداع المزيف.
مصالح شخصية
فيما أعرفُ آخرون مثلما تعرفون.. صاروا يتحدثون عن الديمقراطية والمبادىء الوطنية وكأنها مصالحهم الشخصية التي يدافعون عنها، والتي هي ابعد عن وعيهم... فهي تمرق على وجوههم كما يمرق السهم.
ليس غريباً ان يبحث اهل اللذة عن السعادة عندما يكونون ضمن اروقة السلطة والحكم، وأصحاب جاه ومنصب ومال وشهرة، لانهم وبصدق.. ( يجهلون ابسط مبادئها).
هنا... عليَّ أن اُعيد سؤال الفيلسوف ( آرسطو):
- تُرى أيها الممسكون بالسلطة، اللذة، والفاقدون للحرية والاهثون وراء السعادة والمُتَحكمون بنا.. هل تعرفون ما الحياة؟ التي تستحق أن تُعاش.
وسَأذكِّر بما قاله ( آرسطو):
- « السعادة ليست شيئاً تعثرُ عليه، بل شيئاً تبنيه! تبنيه من خلال الشخصية والفضيلة، ومن خلال العيش وفق افضل ما في الانسان».
ويضيف ارسطو:
- « ان وظيفة الانسان ليست مجرد البقاء ولا مجرد الاستهلاك، بل استخدام العقل لبناء حياة فاضلة».
هنا علينا ان نثبِّت ان الفكرة الاساسية في العمل الجاد وفي الحِراك الهادف للتغيير. فلهذا لا تُقاس قوة التفكير بقدرة الانسان على التخيّل واللهاث وراء الاوهام؟. بل بقدرته على الفِهم.
فكل خطوة نحو الوعي.. تُبعد الانسان عن مدارك الخوف، وكل سبب نكتشفه يُزيل خرافة كانت تتحكم في وعينا. والانسان لا يتحرّر فعلاً عندما يصدق كل ما يراه، بل عندما يُدرك ان معظم ما يخشاه ليس سوى وهم صنعه جهله.
فكلما اتسّعت مساحة الوعي في العقل.. تضاءل سلطان الوهم. واقتربنا من الحرية التي تجعلنا نقتربُ اكثر فأكثر من السعادة وهنا علينا أن نُقِّرْ أن التخلّف الحاصل في مجتمعاتنا العربية لها مقدماتها المتنوعة، التي لخصها المفكـــــــــــــــر ( سبينوزا) بما يأتي:
- « ليست الحرية في الهروب من الحقيقة، بل في فهمها».
جدير ذكره ان مجتمعاتنا تعيش على الماضي.. ولا تُحسن التخطيط للمستقبل، فقط تلوك الحديث عن الوطن والوطنية... ولكننا نجهل المخاطرات التي تحيط بنا من قبل جماعات واحزاب تجيد الحديث عن فضائل الحرية والديمقراطية وكثيرا ماتوهمنا برفاهية الحياة التي ستوصلنا الى مبتغانا واقصدُ السعادة . لكن اغلبهم وبجهلٍ متقع وبسطحية فاقعة اللون مارال يخلط بين الجهل والاعداد لمجتمع يضفي عليه حياة كريمة تظللها معاني السعادة.