شوقي كريم حسن والوطن الاخير
ابو محمد الصفار
كنت ومازلت اعتقد ان النص الابداعي ، بأي جنس ادبي كان ، هو المصير الممكن الاخير للكائن البشري مؤلفاً او متلقياً بحد سواء . وبطبيعة الحال ان للمصير هذا تشكلات متعددة واقعية او غير واقعية بحسب منهج النص ذاته وليس خارجه كما يحاول البعض من غير الموهوبين تحجيم النص بماقبله او بعده او بالحالين معا دون الخوض فيه لكي يجدوا لعجزهم الابتداعي موطئ قدم قسري مصطنع في عالم لايمتون له بأدنىٰ صلة بذريعة " فلسفة ادبية " وهمية بلا اطروحة تعتاش علىٰ فراغين موضوعي وذاتي معاً .
ومنذ تعرفت علىٰ غير قليل من نتاجات الكاتب شوقي كريم حسن علمت برتبة يقينية انني عثرت علىٰ مثابة ابداعية ليست كبيرة فقط بالمعنىٰ المتداول . بل هي بالغة الاهمية في بلورة الوجود المعرفي الابداعي تشكلا مصيريا للانسان في أدبنا العراقي والعربي .
وأنا أقرأ مدونته " الخنادق لاتعيد الاحلام " عثرت عليه ملتحما بالمصير هذا بنحو مجسم بقوله " اذا سألنا التاريخ يوما ماذا ابقيتم ؟ .. نجيبه .. ابقينا الكلمة حية .. لأن الكلمة تصبح آخر وطن لا احد يستطيع احتلاله !! " . لكونه مقترنا شرطيا ب " إشكاله " و" جماله " الواقعيين . متفقاً واياي من جهة ومختلفا عني من جهة ثانية . فالكلمة كوطن مصير نتفق عليه ان يكون اخيرا . ولكن ان تكون حادثة الوطن الواقعية هي الكلمة الاخيرة الحرة دون صمت باعتبار انه " لم يبق لدينا ما نخسره سوىٰ هذا الصوت " . فهذا والحق بالنسبة لي " مآل اخر " في غاية الخطورة من الجائز بنظري ان يخرب الكلمة ذاتها بعد ان تم تخريب الاوطان بالمفهوم الانساني العام بمعادلتين هدامتين الاولىٰ( التغيير بالتدمير !! ) في الجزء غير المتقدم من العالم والثانية ( التطوير بالتدمير !! ) في جزء العالم المتقدم .
ولكن في خضم هذه الهواجس القلقة آليت ان استقرئ توصلات الكاتب شوقي كريم الابداعية في " وطنه الاخير " نتيجة ايماني بأنه مبدع متميز جدا . وان الابداع هذا غير ممكن الانجاز دون مثابة للحياة نفسها تكرس ذلك دون ان تكون هنالك حاجة للاتفاق او الاختلاف بقدر الاحتياج المصيري في ان نكون أُناساً احياءً يرزقون جنباً الىٰ جنب .
ولكم كان ايجادي في ادب شوقي حيويا بالنسبة لي وانا ارىٰ ان هذا الكاتب الابتداعي الفارق الرتبة لا ينقب عن براءته الانسانية ولا عن نضجه كذلك في اي ميدان كان دون ان تكون اللغة موشوره لتحليل الضوء في الجهتين . فشوقي لايكون موجودا بِكرا خارج اللغة ولا موجودا في مستوىٰ التحول النوعي خارجها ايضا . ولهذا قلما يجد المتلقي عملاً او نصاً له منقولاً من الواقع الموضوعي الىٰ الناطقية بقدر ما يلاقي وفرة ابداعية من اعماله ونصوصه متحولة من اللغة الىٰ الواقع ركناً اساسياً من اركان" وطنه الاخير " .
وبين الاخلاق والرؤيا الابداعية . لايستسلم شوقي مطلقا لأي بديهية اخلاقية غير ممكنة الانزياح الىٰ رؤيا ابداعية . مما حصن " وطنه الاخير " علىٰ نحو كلي تقريبا من" الاتباعية والاحتلال " لكونه " وطنا " في حالة حراك مستدامة قابلة للغاية ان تكون في أقصىٰ اقصىٰ الثورة وربما التمرد او العصيان ولا تمر بلحظة سكون ولو عابرة .
ولشوقي ، بتصوري ، وجهة نظر خاصة تفرق بين مصيريه الواقعي والابداعي . فلقد لاحظت عميقا في اغلب ما قرأت له ان مصائره الواقعية " مؤجلة " معظم الاحيان ان لم تكن دائمة التأجيل . عكس مصائره الابداعية الناجزة الرؤيا والموقف معا . عبر منهجية اختلاقية مفتوحة فهو لايفرض ولايفترض تجربة بعينها وموقفا بذاته لتشييد " اصوات موطنه " الحرة . وانما يتعاطىٰ جميع التجارب والمواقف شريطة كسر المألوف وتجاوز النمطي الخطي سردا وتاريخا متحكما بهما بصورة " متناوبة " احدهما يأخذ شكل الآخر فالسرد يجوز ان يتركب لديه ويظهر بوجه تاريخي يجوز له بدوره ان يمر بلحظة تحليلية لكي يعود سرداً بأي ضمير كان احادياً طوال النص او متنوعاً .
ولعل هذا بمجمله يتبلور في ادب شوقي بقراءة خاصة يتميز بها يراعه تجمع بين البساطة والتعقيد . لكون غايته الجوهرية ان يكون عميقا في بنائه وعرضه . وهو يرىٰ ان العمق احيانا يكون بسيطاً فيتشكل " وطنه الاخير " من عنصر واحد غير قابل للتجزئة كالحب اوالحق مثلا . اتساقا منه مع بساطة الوجود الكوني المثالي غير ممكن التجزئة هو الاخر . واحيانا يكون وطنه هذا معقدا يمكن ان يتجزأ الىٰ دوافعه الاساسية كاجتماع الخوف والرغبة والاستحواذ والعنف وغيرها وضرورة ملاحقة وربما مطاردة اشتباكها وتباعدها في هذه الزاوية من " الوطن الاخير " او تلك .
وفي ظل هذه التشكلات ل " وطن شوقي الاخير " اعتقد جازماً ان العالم مهما اجتاحته الخرائب والاحباطات فان الابداع بقلم كاتب اخلاقي ابتداعي كهذا لن يتيح للمسبب اياً كان ، او للمسببات ، فرصة للاندثار لكي تهرب بجرائمها وهزائمها الىٰ العدم او ان تتقمص التجاهل علىٰ الأقل لتنجو من قيامة الجمال الخلاق بذاته سواء كان ناطِقاً او مستنطِقاً .
مع التثمين