الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رؤية عراقية للدبلوماسية الإقليمية.. من إدارة الأزمات إلى صناعة الإستقرار

← بواسطة azzaman

رؤية عراقية للدبلوماسية الإقليمية.. من إدارة الأزمات إلى صناعة الإستقرار

إبراهيم بحر العلوم

 

عدتُ للتو من مشاركتي في «مؤتمر إسطنبول التاسع للوساطة»، الذي أُقيم تحت شعار «الشراكات من أجل السلام»، حاملاً معي قناعة راسخة بأن المنطقة اليوم تقف عند مفترق طرق تاريخي. إن شبح التوترات الدائمة واستمرار الحروب لم يعد مجرد خطورة أمنية، بل أصبح عائقاً مباشراً أمام التنمية والازدهار لشعوبنا. وفي هذا المحفل الدولي رفيع المستوى، حرصتُ على تقديم «رؤية عراقية شاملة للوساطة وحل النزاعات الإقليمية»، رؤية لا تنطلق من التنظير، بل من واقع تجربة عراقية مريرة مع الحروب والإرهاب والنزوح، علّمتنا أن السلام المستدام لا يبدأ بعد وقف إطلاق النار، بل يبدأ قبل ذلك بكثير: بتبادل الثقة، والتحاور الصريح، ومعالجة الجذور الحقيقية للأزمات.

إن الرؤية العراقية التي طرحناها ترتكز على خريطة طريق متكاملة من خمسة أبعاد استراتيجية:

قوة روحية

أولاً: العراق ملتقى للحوار والدبلوماسية غير الرسمية. يمتلك العراق تنوعاً حضارياً ودينياً ومجتمعياً يمنحه مقومات فريدة ليكون ساحة تلاقٍ لا ساحة صراع. إن القوة الروحية والأخلاقية التي تمثلها النجف الأشرف، إلى جانب موروثنا الحضاري، توفر قنوات موازية للدبلوماسية غير الرسمية (Track II) للتقريب بين الفرقاء عندما تتجمد القنوات الرسمية، وذلك ضمن إطار صلب يستند إلى احترام السيادة، والالتزام بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

ثانياً: مأسسة السلام وتجاوز المبادرات المؤقتة. لم تعد المبادرات المؤقتة أو الحلول الإسعافية كافية. ومن هنا اقترحنا العمل على إنشاء «مركز إقليمي للوساطة وبناء السلام» بالشراكة مع الجامعات، ومراكز الفكر، ووزارات الخارجية، والأمم المتحدة. مركز يكون بمثابة بنك معلومات وخبرات يستوعب ديناميكيات المنطقة ويضمن استدامة جهود التهدئة.

ثالثاً: الدبلوماسية البيئية والمائية كمحرك للتعاون الإقليمي. إن التحديات غير التقليدية، وفي مقدمتها شح المياه، والجفاف، والتغير المناخي، تمس أمن المنطقة بأسرها. لكننا ننظر إلى هذه الأزمات بوصفها فرصة نادرة لبناء الثقة. إن الدعوة لإدارة مشتركة لأحواض الأنهار، وتبادل البيانات الشفافة، والاستثمار في تقنيات الري الحديثة، يمكن أن تحوّل المياه من نقطة توتر إلى منصة للشراكة الاقتصادية والبيئية التي تصمد حتى أثناء التقلبات السياسية.

شبكة إقليمية

رابعاً: إطلاق «منظومة بغداد للبنية التحتية للسلام». لترجمة هذه الرؤية إلى آليات تنفيذية، طرحنا منظومة عمل عملية تتكامل مع أطر الأمم المتحدة ومؤتمر التعاون الإسلامي، وتتضمن: إقامة منتدي بغداد السنوي للوساطة، وإنشاء شبكة إقليمية للإنذار المبكر وإدارة المخاطر قبل اندلاع الأزمات، وتأسيس أكاديمية إقليمية للتدريب على التفاوض تمكّن الشباب والمرأة، فضلاً عن صندوق إقلــــــــــيمي لبناء السلام لدعم إعادة الإعمار وعودة النازحين.

خامساً: حيادية الخارج تستند إلى قوة الداخل.

أكدنا ختاماً أن قدرة العراق على لعب دور الوسيط الموثوق في الإقليم تتوقف بالكامل على استقلالية قراره الوطني وحياده الإيجابي، والالتزام بسرية التفاوض. وهذه القدرة الخارجية هي انعكاس مباشر لقوة الجبهة الداخلية: بترسيخ سيادة القانون، والحوكمة الرشيدة، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.

إن المشاركة العراقية في إسطنبول لم تكن مجرد حضور دبلوماسي، بل كانت تأكيداً على أن العراق اليوم يستعيد عافيته وموقعه الطبيعي، ليس كمسرح لتصفية الحسابات، بل كصانع مبادر للسلام والاستقرار الإقليمي.

 


مشاهدات 64
الكاتب إبراهيم بحر العلوم
أضيف 2026/10/24 - 4:58 PM
آخر تحديث 2026/10/25 - 12:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 22 الشهر 48805 الكلي 16633974
الوقت الآن
الأحد 2026/10/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير