الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
القسم على المصحف لا ينقل المسؤولية إلى السماء

← بواسطة azzaman

القسم على المصحف لا ينقل المسؤولية إلى السماء

عباس النوري

 

ليس لديّ اعتراض على أن يقسم المسؤول على كتاب الله، وأن يتعهد أمام شعبه بألا يمد يده إلى المال العام، وألا يستغل منصبه لمصلحة حزبه أو طائفته أو عائلته، وألا يقبل هدية بسبب موقعه الوظيفي. بل إنني أرى في هذه التعهدات تذكيراً ضرورياً بأن السلطة أمانة، وأن المال العام ليس ملكاً للحاكم أو الوزير أو المدير، وإنما هو حق للمجتمع الذي ائتمن هؤلاء على إدارته.

لكن ما يستوقفني في هذا التصريح هو قول رئيس الوزراء إن الحساب قد رُفع من محكمة الأرض إلى محكمة السماء. وهنا أجد نفسي أمام سؤال لا يتعلق بصدق النيات، ولا بقدسية القسم، وإنما بالمعنى الذي ينبغي أن نستقر عليه في فهم المسؤولية: هل يمكن أن نضع الحساب أمام الله في مقابل الحساب أمام القانون، أم أن لكل منهما مجاله الذي لا يلغي الآخر؟

إنني أعتقد أن العبارة، بصيغتها هذه، تحتاج إلى توضيح، لأن مكافحة الفساد لا تحتمل أي التباس في طبيعة المسؤولية. فالله يحاسب الإنسان على أعماله يوم القيامة، لكن الدولة مسؤولة عن محاسبة من يعتدي على حقوق الناس والمال العام في هذه الحياة. ولا يمكن أن نؤجل حقوق المواطنين إلى يوم الحساب، ولا أن نترك أموالهم تحت رحمة ضمائر المسؤولين، مهما كانت مكانة القسم الذي أدوه.

واللافت أن نص القسم نفسه يتضمن عبارة واضحة، هي أن الله سيكون خصم المسؤول إذا خان قسمه، وأن الشعب والقانون سيكونان حكمه. وهذا يعني أن المساءلة القانونية حاضرة في أصل التعهد، ولا ينبغي أن تُفهم العبارة الختامية على أنها تنقل المسؤولية من مؤسسات الدولة إلى الحساب الأخروي.

إن الخشية من الله، إذا كانت حقيقية، ينبغي أن تجعل المسؤول أكثر التزاماً بالقانون، وأكثر استعداداً لقبول الرقابة والمحاسبة، لا أن تكون سبباً في الاستعاضة عن الإجراءات القانونية بالثقة في النيات. فالنية الصادقة أمر لا نستطيع أن نبني عليه وحده نظاماً لمكافحة الفساد، لأن النيات لا تُراجع في سجلات التدقيق، ولا تكشفها العقود الحكومية، ولا تستطيع وحدها أن تمنع تضارب المصالح أو استغلال النفوذ.

الدولة العادلة لا تسأل المسؤول إن كان يخاف الله فحسب، وإنما تسأله أيضاً: كيف أدرت المال العام؟ وما الأسس التي اعتمدتها في منح العقود؟ وهل التزمت القانون؟ وهل توجد أدلة على مخالفة ارتكبتها؟ وإذا ثبتت المخالفة، فإن المحاسبة واجبة وفق الإجراءات القانونية، ولا يعفي منها قسم ولا منصب ولا انتماء.

إن الخلط بين الحساب الدنيوي والحساب الأخروي قد يقود، حتى من غير قصد، إلى فهم خاطئ مفاده أن من لا يخشى الله يستطيع أن يفعل ما يشاء، وأن حسابه سيبقى مؤجلاً إلى الآخرة. وهذا فهم لا يمكن القبول به، لأن حقوق الناس لا تنتظر، والمال العام لا يجوز التفريط فيه، والعدالة التي يحتاج إليها المواطن ليست وعداً أخروياً فحسب، بل واجب على الدولة أن تحققه في حياته.

نحن لا نحتاج إلى الاختيار بين حكم الأرض وحكم السماء، بل نحتاج إلى مسؤول يفهم أن مسؤوليته أمام الله لا تعفيه من مسؤوليته أمام القانون، وأن إيمانه لا ينتقص من واجب الدولة في مراقبته، بل ينبغي أن يعزز احترامه للقانون وقبوله بالمحاسبة.

فالقسم بداية الالتزام، وليس دليلاً نهائياً على النزاهة. والنزاهة لا تثبت بمجرد ترديد الكلمات، وإنما بما يتبعها من أفعال وإجراءات ونتائج يمكن التحقق منها. أما الدولة، فلا ينبغي أن تكتفي بإعلان حسن نيات مسؤوليها، بل عليها أن تقدم للمواطن دليلاً عملياً على أن القانون يطبق على الجميع، وأن المال العام مصون، وأن من يعتدي عليه لن يفلت من المساءلة.

إن الحساب يوم القيامة شأن لا ننكره، لكن الحساب أمام القانون واجب لا يجوز تعطيله. وبين الاثنين تقع مسؤولية الدولة، وحقوق المواطنين، والمعنى الحقيقي للأمانة التي أقسم المسؤولون على صونها.


مشاهدات 76
الكاتب عباس النوري
أضيف 2026/10/24 - 4:53 PM
آخر تحديث 2026/10/24 - 11:48 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 2410 الشهر 48779 الكلي 16633948
الوقت الآن
السبت 2026/10/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير