أوزبكستان وروسيا.. والاستثمار النووي يرسم المستقبل
أحمد جاسم الزبيدي
تدخل العلاقات الأوزبكية الروسية مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، تتجاوز حدود التبادل التجاري التقليدي إلى مشروعات الطاقة والصناعة والتعدين والرقمنة، وصولاً إلى بناء أول محطة للطاقة النووية في أوزبكستان. وفيما تتسارع أعمال الإنشاء في محافظة جيزاخ، تكشف المؤشرات الاقتصادية عن اتساع الشراكة بين طشقند وموسكو، وعن طموح مشترك لرفع التبادل التجاري إلى 30 مليار دولار بحلول عام 2030.
وفي هذا السياق، استقبل الرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيائيف، في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2026، المدير العام لمؤسسة «روساتوم» الحكومية الروسية أليكسي ليخاتشوف، وبحث معه سير العمل في إنشاء المحطة النووية المتكاملة، وتطوير البنية التحتية المرافقة، وإعداد الكوادر المتخصصة لتشغيل المنشأة المستقبلية.
وتعكس هذه المباحثات توجهاً أوزبكياً نحو توظيف الشراكات الدولية في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً، وتوفير مصادر مستقرة للطاقة، وتوسيع القدرات الصناعية والتكنولوجية، فيما ترى روسيا في أوزبكستان شريكاً مهماً في آسيا الوسطى وسوقاً واعدة لمشروعاتها واستثماراتها طويلة الأجل.
محطة نووية باستثمار ملياري الأبعاد
تتواصل أعمال بناء المحطة في منطقة فاريش التابعة لمحافظة جيزاخ، بالتعاون مع «روساتوم»، حيث يجري صب الخرسانة في قاعدة أول وحدة نووية صغيرة القدرة منذ حزيران/يونيو الماضي. ويُنتظر إنجاز هذه المرحلة قبل نهاية عام 2026، باستخدام نحو عشرة آلاف متر مكعب من الخرسانة.
ولا يقتصر المشروع على إنشاء محطة لتوليد الكهرباء، بل يتضمن منظومة متكاملة من المنشآت والخدمات والتدريب. فقد بدأ أيضاً بناء مدينة للعاملين في القطاع النووي وأسرهم، تستوعب أكثر من 30 ألف شخص، وتضم مساكن موفرة للطاقة ومؤسسات تعليمية وصحية ورياضية ومرافق خدمية.
وبحسب التصميم المعلن، يتكون المشروع من وحدتين كبيرتين بمفاعلي «VVER-1000»، تبلغ قدرة كل منهما ألف ميغاواط، ووحدتين صغيرتين بمفاعلي «RITM-200N»، بقدرة 55 ميغاواط لكل منهما. وتصل القدرة الإجمالية المركبة إلى 2110 ميغاواط، فيما يُتوقع أن يبلغ الإنتاج السنوي نحو 17.2 مليار كيلوواط ساعة عند التشغيل الكامل.
وتُقدّر كلفة المشروع المتكامل بنحو 9.5 مليار دولار، مع توقع توفير روسيا قرض تصدير ميسراً للمساهمة في تمويل الإنشاء. ويُخطط لإجراء التشغيل التقني الأول للمفاعل الصغير الأول عام 2029، وتشغيل أول وحدة كبيرة عام 2033، على أن يكتمل المشروع خلال عامي 2034 و2035.
وتكتسب المحطة أهمية خاصة في ظل نمو الطلب على الكهرباء في أوزبكستان، إذ يمكن للطاقة النووية أن توفر مصدراً مستقراً للإنتاج، وتدعم أمن الطاقة، وتفتح المجال أمام نقل التكنولوجيا وتطوير التعليم الهندسي والصناعات المساندة. لكن نجاح المشروع يتطلب، في المقابل، الالتزام بمعايير السلامة النووية، والرقابة الصارمة، والإدارة الرشيدة للكلفة، والتخطيط طويل الأمد للتعامل مع النفايات المشعة والطوارئ.
13 مليار دولار حجم التبادل التجاري
تأتي المحطة النووية في إطار علاقات اقتصادية شهدت توسعاً ملموساً خلال السنوات الماضية. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين أوزبكستان وروسيا نحو 13 مليار دولار في عام 2025، مسجلاً نمواً بنسبة 8.4% مقارنة بالعام السابق، وفق بيانات وزارة الاستثمار والصناعة والتجارة الأوزبكية. وبلغت الصادرات الأوزبكية إلى السوق الروسية 4.4 مليار دولار، بزيادة 12.2%، فيما بلغت الواردات من روسيا نحو 8.6 مليار دولار.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الميزان التجاري يميل لمصلحة روسيا، وهو ما يضع أمام أوزبكستان تحدياً يتمثل في توسيع صادراتها ذات القيمة المضافة، وعدم الاكتفاء بتصدير المواد الأولية والمنتجات الزراعية.
ولم يقتصر النمو على العام الماضي؛ ففي كانون الثاني/يناير 2026، ارتفع التبادل التجاري بين البلدين بنسبة 37% ليصل إلى نحو 1.1 مليار دولار. وخلال الأشهر الأربعة الأولى من العام، بلغ حجم التجارة نحو 4.52 مليار دولار، مقابل قرابة 3.79 مليار دولار في الفترة نفسها من عام 2025، وفق بيانات منشورة عن العلاقات التجارية الثنائية. وتعكس هذه الزيادة استمرار النشاط التجاري، وإن كان الحفاظ على معدلات النمو المرتفعة يتطلب تعزيز الإنتاج والتصدير وتطوير قنوات النقل والتوزيع.
وتشمل الصادرات الروسية إلى أوزبكستان المعادن والحديد والمنتجات المعدنية والمواد الكيميائية والأخشاب، فضلاً عن منتجات صناعية أخرى. في المقابل، تصدّر أوزبكستان المنتجات الزراعية والغذائية، والفواكه والخضراوات والمكسرات، إلى جانب المنسوجات والملابس والقطن والنحاس ومنتجات صناعية أخرى.
ويمثل هذا التكامل فرصة لتوسيع التصنيع المشترك، بحيث لا تقتصر العلاقة على تبادل السلع الجاهزة، بل تمتد إلى إقامة منشآت إنتاجية داخل أوزبكستان، وتطوير سلاسل التوريد، وتوفير فرص عمل، وتعزيز قدرة المنتجات الأوزبكية على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
وتسعى الحكومتان إلى رفع حجم التبادل التجاري إلى 30 مليار دولار بحلول عام 2030، وهو هدف طموح يتطلب نمواً مستداماً في الصادرات والاستثمارات والإنتاج المشترك، فضلاً عن معالجة المعوقات الجمركية واللوجستية وتسهيل دخول الشركات إلى أسواق البلدين.
استثمارات بمليارات الدولارات
على مستوى الاستثمار، تتحدث البيانات والتصريحات الرسمية عن محفظة واسعة من المشروعات الروسية الأوزبكية، تتراوح تقديراتها بين نحو 43.9 مليار دولار و55 مليار دولار، تبعاً لتاريخ الإعلان وطريقة احتساب المشروعات. وهذه الأرقام تمثل قيمة محفظة المشروعات أو الاتفاقات الاستثمارية، ولا تعني بالضرورة أن المبالغ كلها دُفعت أو استُثمرت فعلياً.
ووفق بيانات منشورة في نيسان/أبريل 2026، بلغ حجم المشروعات المشتركة الجاري تنفيذها نحو 43.9 مليار دولار، فيما أشارت تصريحات روسية إلى أن محفظة المشروعات الاستثمارية الأوسع تقترب من 55 مليار دولار. وتضم هذه المحفظة مشروعات في الصناعة والمجمعات الزراعية والصناعات الدوائية والطاقة وغيرها من المجالات.
وتعمل في أوزبكستان أكثر من 3200 شركة بمشاركة رأس المال الروسي، وفق البيانات المنشورة خلال عام 2026، وهو مؤشر على رسوخ حضور الشركات الروسية في السوق المحلية. وتشمل مجالات التعاون التعدين والفلزات والطاقة والصناعات الكيميائية والزراعة والهندسة الميكانيكية والمنسوجات، إضافة إلى التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
ولا تكمن أهمية هذه الاستثمارات في حجمها المالي فحسب، بل في قدرتها على نقل الخبرة وتطوير الإنتاج المحلي. فكلما ارتفعت نسبة التصنيع داخل أوزبكستان، وزادت مشاركة الشركات والمهندسين والعمال المحليين، تحولت المشروعات المشتركة إلى رافعة للتنمية، بدلاً من اقتصار أثرها على استيراد المعدات أو تنفيذ العقود الخارجية.
وتبرز هنا ضرورة التمييز بين قيمة المشروعات المعلنة، وتدفقات الاستثمار المنفذة، والقروض المخصصة للتمويل، فهذه مؤشرات مختلفة، ولا يصح جمعها أو التعامل معها بوصفها رقماً واحداً للاستثمار الفعلي.
التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي
يمتد التعاون الروسي الأوزبكي إلى الاقتصاد الرقمي، الذي بات أحد ميادين التنافس والنمو في المنطقة. وتشير تقديرات منشورة إلى أن الاستثمارات الروسية المباشرة في قطاع تكنولوجيا المعلومات الأوزبكي تجاوزت 320 مليون دولار في مطلع عام 2026، مع نمو ملحوظ مقارنة بعام 2023، فيما بلغ التبادل في خدمات تكنولوجيا المعلومات والمنصات الرقمية نحو 210 ملايين دولار عام 2025.
وتفتح هذه الأرقام المجال أمام تعاون أوسع في البرمجيات والخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي والحلول التقنية الموجهة للصناعة والزراعة والخدمات الحكومية. كما يمكن لهذا القطاع أن يوفر فرصاً للكوادر الشابة، ويساعد على تنويع الصادرات الأوزبكية بعيداً عن الاعتماد على المواد الخام.
لكن تطوير هذا المجال يتطلب الاستثمار في التعليم التقني، وحماية البيانات، وتهيئة بيئة تنافسية تشجع الابتكار والشركات الناشئة، إلى جانب استقطاب الخبرات الدولية من دون حصر الشراكات في اتجاه واحد.
الروبل والسوم.. تسويات تجارية أكثر استقلالاً
ومن التطورات المهمة في العلاقات الاقتصادية التوسع في تسوية المعاملات التجارية بالعملتين المحليتين، الروبل الروسي والسوم الأوزبكي، بدلاً من الاعتماد الدائم على عملات وسيطة. وتشير المعطيات الواردة بشأن التعاملات الثنائية إلى أن حصة هذه التسويات تجاوزت 60% من المعاملات.
ويمكن لهذا التوجه أن يقلل بعض تكاليف التحويل، ويخفف التعرض لتقلبات العملات الثالثة، ويسهل التعاملات بين الشركات. غير أن نجاحه يرتبط بتوافر السيولة، واستقرار أسعار الصرف، وفاعلية الأنظمة المصرفية، وقدرة المستوردين والمصدرين على إدارة مخاطر العملتين.
وبذلك لا يمثل استخدام العملات المحلية مجرد إجراء مصرفي، بل جزءاً من مسعى أوسع لتسهيل التجارة وتعزيز الروابط المالية بين البلدين.
الأقاليم والنقل.. شراكة تتجاوز العاصمتين
لا تنحصر العلاقات الثنائية في الحكومتين المركزيتين أو الشركات الكبرى، إذ يتفاعل 14 إقليماً أوزبكياً مع أكثر من 50 إقليماً روسياً عبر مشروعات اقتصادية وتجارية وصناعية. ويتيح هذا التعاون إقامة شراكات أقرب إلى احتياجات كل منطقة، سواء في الزراعة أو التصنيع أو الخدمات أو تطوير البنية التحتية.
ويؤدي النقل دوراً مكملاً في هذا المسار؛ إذ تصل الرحلات الجوية بين البلدين إلى نحو 367 رحلة أسبوعياً، وفق البيانات المنشورة عن التعاون الثنائي. وتوفر كثافة الربط الجوي تسهيلات لحركة رجال الأعمال والسياح والطلاب والعاملين، كما تعزز الروابط الإنسانية التي تدعم بدورها النشاط التجاري والاستثماري.
ويمكن تعزيز هذا الترابط من خلال تطوير الممرات اللوجستية، وتسهيل حركة الشحن، وتحسين الإجراءات الجمركية، بما يخفض كلفة وصول المنتجات الأوزبكية إلى الأسواق الروسية، ويزيد قدرة الشركات على توسيع أعمالها.
شراكة استراتيجية واختبار للتنمية
تجمع العلاقات الروسية الأوزبكية اليوم بين المصالح الاقتصادية المتبادلة، والتعاون الصناعي، والطاقة، والتعليم، والتكنولوجيا. وتمنح المشروعات الكبرى، وفي مقدمتها المحطة النووية، هذه العلاقة بعداً استراتيجياً طويل الأمد، بالنظر إلى حاجتها إلى التمويل والخبرة الفنية والكوادر المؤهلة والتعاون المستمر على مدى عقود.
وبالنسبة إلى أوزبكستان، يتمثل التحدي في تحويل هذا الانفتاح الاستثماري إلى قيمة اقتصادية ملموسة، عبر زيادة الصادرات، وتوطين الصناعات، وتأهيل الكفاءات المحلية، وتعزيز نقل التكنولوجيا، وتنويع الشركاء والأسواق. أما بالنسبة إلى روسيا، فإن نجاح مشروعاتها في أوزبكستان يعزز حضورها الاقتصادي في آسيا الوسطى ويوفر مجالاً لتوسيع التعاون التجاري والصناعي.
وفي المحصلة، لا تُقاس قوة الشراكة بعدد الاتفاقات أو بمليارات الدولارات المعلنة وحدها، بل بقدرتها على إنتاج الكهرباء بصورة آمنة، وخلق الوظائف، وتطوير الصناعة، ورفع كفاءة الاقتصاد، وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
وهنا تبرز المحطة النووية بوصفها أكثر من مشروع لتوليد الطاقة ، إنها اختبار لقدرة الطرفين على تحويل الطموحات السياسية والأرقام الاستثمارية إلى نتائج تنموية مستدامة، في مرحلة تتطلع فيها أوزبكستان إلى تعزيز موقعها الاقتصادي والإقليمي، وتوسيع خياراتها التكنولوجية، وبناء مستقبل أكثر اعتماداً على المعرفة والإنتاج.