الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة تحليليّة بكتاب سلام أوزبكستان لأحمد جاسم الزبيدي

← بواسطة azzaman

قراءة تحليليّة بكتاب سلام أوزبكستان لأحمد جاسم الزبيدي

إعادة إحياء الإرث الحضاري وبناء النموذج الإسلامي المعتدل في آسيا الوسطى

محمد أحمد كريم

 

تسعى هذه المقالة إلى تحليل الرؤية الفكرية والحضارية التي قدمها المؤرخ والصحفي الدكتور أحمد جاسم الزبيدي في كتابه «سلام أوزبكستان: الإسلام والتسامح والتقدم» (2026). تتناول المقالة القضايا المحورية التي طرحها المؤلف بصفته شاهد عيان مقيمًا في أوزبكستان منذ عام 1983، مستعرضةً المسار التاريخي للنهضة الشرقية بموجاتها المختلفة، وصولاً إلى مشروع «النهضة الثالثة» والإصلاحات الروحية والهيكلية المعاصرة تحت قيادة الرئيس شوكت ميرضيائيف. وتناقش الدراسة المفهوم الأوزبكي للعلمانية والتوازن الدقيق بين حماية الأمن القومي وترسيخ حرية الضمير والمعتقد، متخذة من «مركز الحضارة الإسلامية» بطشقند أنموذجًا ماديًا ورمزيًا لهذه التحولات.

1. المقدمة (Introduction):

تُمثّل منطقة ما وراء النهر (أوزبكستان المعاصرة) إحدى أهم الركائز التي قام عليها بنيان الحضارة الإسلامية؛ إذ لم يكن دخول الإسلام إليها في القرن الثامن الميلادي مجرد تحول ديني، بل كان تدشينًا لنسيج روحي وثقافي وفكري أثمر إسهاماتٍ علمية غيرت مجرى التاريخ الإنساني. تأتي أهمية كتاب «سلام أوزبكستان: الإسلام والتسامح والتقدم» للدكتور أحمد جاسم الزبيدي (الصادر عن صفقات كتابية، 2026) من كونه يجمع بين الرصد التوثيقي الصحفي والمعالجة التاريخية والفكرية التحليلية.

تنبع أصالة الكتاب من الموقع الحضاري للمؤلف؛ فهو كاتب من أصل عراقي (بابل) أكمل تعليمه العالي في كييف واختار الاستقرار في أوزبكستان منذ عام 1983، ونال جائزة «القلم الذهبي» عام 2006 كأول صحفي أجنبي يحصل عليها في تاريخ البلاد. يطرح الكتاب إشكالية رئيسة مفادها: كيف استطاعت أوزبكستان الانتقال من تجربة الاضطهاد الديني السوفيتي إلى تقديم نموذج حضاري معاصر يجمع بين الأصالة الإسلامية، العقلانية العلمية، والاعتراف الدولي بحرية المعتقد؟

2. الإطار التاريخي والمنهجي: موجات النهضة الشرقية (The Eastern Renaissance):

يقسّم الزبيدي التطور الحضاري في أوزبكستان إلى محطات تاريخية متتابعة، مؤكدًا أن النهضة الإسلامية الشرقية سبقت النهضة الأوروبية وأثّرت فيها تأثيراً مباشراً؛ إذ تميزت باحتضان العلوم الدقيقة والطبيعية جنبًا إلى جنب مع العلوم الشرعية:

النهضة الشرقية الأولى (القرنان 9–12م):

فكر عقائدي

شهدت الامتزاج الأول بين الروح العلمية الإسلامية والإرث الثقافي المحلي. تميزت هذه الفترة بترسيخ التوازن بين النص والعقل عبر المذهب الحنفي والفكر العَقَدي الماتريدي الذي أسسه أبو منصور الماتريدي (852-944م)، وظهر فيها عمالقة الفكر الإنساني:

الرياضيات والفلك: الخوارزمي (أبو الجبر ومؤسس الخوارزميات)، وأحمد الفرغاني صاحب كتاب «عناصر علم الفلك» وواضع نظرية الإسطرلاب والمشارك في بناء «النيلومتر».

الحديث والفقه: الإمام البخاري (صاحب الصحيح)، والإمام الترمذي، والفقيه برهان الدين المرغيناني صاحب كتاب «الهداية»، والأستروشني صاحب «الجامع لأحكام الصغار» في حقوق الطفل.

الموسوعيون والطب: أبو الريحان البيروني الذي وضع نموذجًا كرويًا للأرض، وقاس نصف قطرها، وتنبأ بقارات خلف المحيطات قبل كولومبوس بخمسة قرون؛ وابن سينا (أفيسينا) صاحب «القانون في الطب» المرجع الطبي لأوروبا طيلة 500 عام.

النهضة التيمورية (القرنان 14–16م):

ارتبطت بالأمير تيمور وحفيده أولوغبيك؛ حيث تحولت سمرقند وبخارى إلى عواصم علمية تحتضن المدارس والمراصد الفلكية. وضمت هذه الفترة علماء وفلاسفة بارزين مثل الشاعر علي شير نوائي، وعالم الفلك علي قوشجي، وقاضي زاده الرومي.

حركة «الجاديد» وتحديات القرن العشرين:

مع الاستعمار الروسي ثم الحكم السوفيتي، تعرض المكون الديني والثقافي لطمس ممنهج (إغلاق المساجد، تغيير الأبجدية من العربية إلى اللاتينية ثم الكيريلية). وظهرت حركة «الجاديد» الإصلاحية مع مطلع القرن العشرين بشعار «لا خلاص إلا بالعلم» كمحاولة لتجديد الحضارة قبل أن تطالها يد القمع السوفيتي.

3. التحول المعاصر: من استعادة الهوية إلى «النهضة الثالثة» (Modern Reform & The 3rd Renaissance):

يرصد الكتاب ثلاث مراحل مرّت بها أوزبكستان بعد استقلالها عام 1991:

مرحلة التأسيس (1991–2000): ترسيخ أسس السيادة والدستور وسط تحديات إقليمية ضاغطة.

مرحلة النمو المتدرج (2000–2016): الاستقرار الاقتصادي والتحفظ في التعاطي مع الظاهرة الدينية نتيجة المخاوف الأمنية وبروز التنظيمات الراديكالية.

عهد النهضة الثالثة (منذ 2016): نقطة التحول الهيكلي بقيادة الرئيس شوكت ميرضيائيف. حيث صُيغت استراتيجية تقوم على عدم التعارض بين الحداثة والروحانية، والانتقال من الرقابة الحذرة إلى التنوير والاحتواء.

جدول: مقارنة المنهجيتين في التعاطي مع المجال الديني في أوزبكستان (بناءً على ما ورد في الكتاب)

4. مفهوم العلمانية والتوازن التشريعي في أوزبكستان:

تكمن إحدى أهم الأطروحات الفكرية في الكتاب في تحليله لـ «العلمانية الأوزبكية»؛ إذ يوضح المؤلف أنها لا تعني الخصومة مع الدين أو إقصاءه، بل تعني فصل السلطة السياسية عن المؤسسات الدينية، مع الاعتراف بالدين كمرجع أخلاقي ونشاط روحي واجتماعي جامع.وقد تُوج هذا النموذج بصدور تشريعات مفصلية أبرزها:

قانون «حرية الضمير والمنظمات الدينية» وتحديثاته (فبراير 2025): والذي رسّخ مفهوم السياسة الحكومية القائمة على ضمان الحرية الفردية للمواطن في الاعتقاد أو عدمه، وحماية الطابع المدني للدولة.

اسبوع الوئام

مرسوم أبريل 2025: المتضمن إجراءات توسيع ضمانات حرية الضمير وتطوير الأكاديمية الدولية للدراسات الإسلامية، التي نالت جائزة «أسبوع الوئام بين الأديان» لعام 2025 (جائزة الملك عبد الله الثاني).

كما يُبرز المؤلف البعد المقارن بين التجربة الأوزبكية وتجارب الشرق الأوسط (مثل العراق)؛ حيث يُظهر كيف نجحت أوزبكستان في تحييد الدين عن التوظيف السياسي الحزبي أو الاستقطاب الطائفي، وجعله عامل وحدة وطنية وصمّام أمان مجتمعي.

5. مركز الحضارة الإسلامية بطشقند: الرمزية والوظيفة (The Center of Islamic Civilization):يُعدّ «مركز الحضارة الإسلامية» الصرح التأسيسي الذي انطلقت منه فكرة الكتاب. ويحلل الزبيدي هذا المركز بوصفه مشروعًا إستراتيجيًا أُسس بمرسوم رئاسي، ليكون أكثر من مجرد متحف أو مكتبة:

البنية المعمارية والرمزية: يُقام المركز بالقرب من مجمع «حضرة الإمام» التاريخي. ويحتضن تحت قبته التي ترتفع 65 متراً «مصحف عثمان بن عفان»، تحيط به تسعة أقسام متحفية توثق تاريخ ما وراء النهر من مرحلة ما قبل الإسلام حتى «النهضة الثالثة».

الأبعاد العلمية والتنويرية: يضم المركز مكتبة ضخمة للمخطوطات النادرة وقاعات للترميم، ويهدف إلى إعداد خطباء وأئمة يمتلكون أدوات العصر، ونشر الخطاب الإسلامي المعتدل القائم على أفكار التسامح والعقلانية.

6. الخاتمة والاستنتاجات (Conclusion & Findings):

خلصت القراءة التحليلية لكتاب «سلام أوزبكستان» إلى المخرجات والملاحظات العلمية التالية:

الشمولية والنسقية: أثبت الكتاب أن التجربة الأوزبكية الراهنة لا تمثل صعودًا عاطفيًا مفاجئًا، بل هي عملية استعادة واعية وممنهجة لجذور «النهضة الشرقية» التاريخية.

التوفيق بين الأصالة والحداثة: أظهر النموذج الأوزبكي إمكانية التوفيق بين الهوية الإسلامية العريقة ومقتضيات الدولة المدنية الحديثة؛ حيث تحول الدين من إشكالية أمنية إلى قوة ناعمة تعزز السلام والتنمية المستدامة.

مكافحة التطرف بالفكر لا بالقمع فقط: تُقدم أوزبكستان درسًا دوليًا مفاده أن المواجهة الحقيقية للفكر المتطرف تعتمد على إعادة بعث الفلسفة الدينية العقلانية (كالفكر الماتريدي والفقه الحنفي) وتطوير مناهج التعليم التنويري.

القيمة التوثيقية للكتاب: يكتسب المؤَلَّف معطيًا مصدريًا فريدًا لكون كاتبه صحفيًا عربيًا عايش التحولات العميقة في هذا البلد لأكثر من أربعة عقود، ما جعل الكتاب جسرًا فكريًا يُقرّب التجربة الأوزبكية إلى القارئ والأكاديمي العربي.


مشاهدات 30
الكاتب محمد أحمد كريم
أضيف 2026/09/26 - 12:42 AM
آخر تحديث 2026/09/26 - 1:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 115 الشهر 43845 الكلي 16576365
الوقت الآن
السبت 2026/9/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير