الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الدينار العراقي يدفع ثمن غياب الإصلاح

← بواسطة azzaman

الدينار العراقي يدفع ثمن غياب الإصلاح

رشيد العجيل

 

حين يُرفع سعر صرف الدولار فجأة، لا تتحمل الفاتورة الأحزاب التي تقاسمت الوزارات ولا أصحاب العقود الوهمية ولا أصحاب المليارات والقصور من سراق المال العام. بل يتحملها الموظف الصغير والمتقاعد الذي ثبّت راتبه بالدينار فتآكلت قدرته الشرائية بين ليلة وضحاها، والأسرة التي يتم استيراد قوتها ودواءها بالدولار. وهذا هو الوجه القاسي لقرار صُوِّر كأنه قدر محتوم، وهو في الحقيقة اختيار سياسي واعي بأن يدفع الناس أخطاء الحكومات المتعاقبة بدل أن تُصلح الدولة نفسها.فالأزمة ليست في شحّ الموارد، بل في بنية الإنفاق. قرابة مليوني عنصر في المنظومة الأمنية بكل مسمياتها، وجيش موازي من الموظفين والمتقاعدين، ورواتب وامتيازات تقاعدية متناقضة تمنح بعض الفئات أضعاف غيرها، بينما تحتضر الصناعة والزراعة والتكنولوجيا. وقد بُنيت هذه المنظومة على مدى عقدين من المحاصصة، حين تحوّل التوظيف العام من حق إلى غنيمة حزبية. ومن يعتاش على هذا النظام لا ينتظر أحد أن يصلحه طوعاً.وقد دافع السيد رئيس الوزراء علي الزيدي عن القرار أمام مجلس النواب بقوله إن الحكومة كانت أمام ثلاثة خيارات: الادخار الإجباري، أو توزيع الرواتب كل 45 يوماً، أو الاقتراض وإغراق البلد المثقل بالديون .

مفاضلة مصطنعة

وأضاف أن الدين العام تجاوز 208 ترليونات دينار حين تسلّم المهمة، وأن الحكومة مطالبة بتوفير 10 ترليونات شهرياً ، وأن فارق سعر الصرف سابقاً كان يستحوذ عليه المضاربون . غير أن هذا العرض يقوم على مفاضلة مصطنعة بين ثلاثة خيارات أحلاها مرّ، وكأن الدولة لا تملك سواها. فالادخار الإجباري وتأخير الرواتب والاقتراض بدائل غير واقعية لأنها تعالج العجز بتحميل الموظف أو الأجيال القادمة، ولا تقترب من مصادر الهدر. ولو كانت هذه هي الخيارات الوحيدة لكان القرار مفهوماً، لكنها ليست كذلك، وما أُغفل من الحديث هو ما كان ينبغي أن يُجرَّب أولاً. الخيارات موجودة، وتجارب الدول تشهد بذلك:

أولاً، ضبط الإنفاق من القمة لا من القاعدة. تخفيض رواتب ومخصصات الدرجات الخاصة (الرئاسات والوزراء والنواب والوكلاء والمستشارين) تنازلياً، مع إلغاء الامتيازات المزدوجة وتوحيد سلّم التقاعد. وقد وحّدت اليونان تقاعدها بعد أزمتها، لكن بعد فوات الأوان وبألم أكبر لأنها لم تبدأ من القمة.

ثانياً، ترشيد الاستيراد. حصره بالضروريات وتقييد الكماليات، مع حماية المنتج المحلي بتعرفة جمركية مدروسة. هكذا بنت كوريا الجنوبية صناعتها: حماية مؤقتة مشروطة بالكفاءة والتصدير.

ثالثاً، تعظيم الموارد غير النفطية. المنافذ والجمارك والضرائب هي النزيف الأكبر. أتمتة المنافذ وربطها بوزارة المالية، وتفعيل الجباية، وإنهاء السيطرة الحزبية المسلحة عليها، قد تضيف للخزينة مليارات سنوياً. وقد قفزت إيرادات دولة جورجيا خلال سنوات قليلة حين أصلحت جماركها. رابعاً، إصلاح الجهاز الوظيفي لا تسريحه. تنظيف الكشوفات من الفضائيين بالبصمة والتدقيق الرقمي، ووقف التعيينات غير المنتجة، وتحويل جزء من الطاقة البشرية إلى الزراعة والصناعة.

خامساً، صندوق سيادي وانضباط مالي. النرويج ومثلها دول الخليج العربي لم تنجح لأنها غنية بالنفط، فغيرها أغنى منها، بل لأنها فصلت إنفاقها عن تقلبات سعر البرميل. والعراق يحتاج قاعدة مالية ملزمة قانوناً تمنع صرف الفوائض كلها في سنوات الوفرة.

إرادة سياسية

سادساً، وهو الأهم: المحاسبة. لا إصلاح بلا استرداد الأموال المنهوبة واستقلال النزاهة والقضاء عن التدخل الحزبي. رواندا وجورجيا وسنغافورة اختلفت أنظمتها، واشتركت في إرادة سياسية بدأت بمحاسبة الكبار.أما الأثر الاجتماعي فكان يستوجب حماية الفئات الهشة قبل أي تعديل: دعماً نقدياً مباشراً للمتقاعدين وذوي الدخل المحدود، وتثبيتاً لأسعار الغذاء والدواء، وجدولة التعديل على مراحل مع إعلان مسبق.لا يوجد بلد غني وبلد فقير، بل إدارة جيدة وإدارة فاسدة. سنغافورة جزيرة بلا موارد كانت تستورد حتى مياه الشرب، وصارت من أغنى دول العالم بالانضباط والشفافية. وكوريا الجنوبية خرجت من الحرب أفقر من كثير من الدول الأفريقية وبنت صناعة عالمية بالتعليم والتخطيط. وسويسرا بلا نفط ولا بحار وتفوّقت بنظام مؤسسي صارم. أما العراق، بنفطه وغازه وأراضيه ونهريه وسياحته الدينية، فيعجز عن دفع رواتب المتقاعدين دون المساس بقيمة الدينار. الفارق ليس في الموارد، بل في من يديرها ولمصلحة من. والخلاصة أن رفع سعر الصرف لا يعالج جذر المرض بل ينقل كلفته إلى من لا حول لهم ولا قوة. ولن يستقر الدينار ما دامت الدولة لازالت تُدار كغنيمة.

 

 


مشاهدات 66
الكاتب رشيد العجيل
أضيف 2026/10/24 - 4:43 PM
آخر تحديث 2026/10/25 - 12:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 93 الشهر 48876 الكلي 16634045
الوقت الآن
الأحد 2026/10/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير