انحطاط الأدب العراقي.. عندما يتقدم الرديء ويتراجع المبدع.
حامد الضبياني
تبدأ الكارثة الثقافية عندما يفقد الأدب قدرته على التمييز بين من يكتب ليصنع معنى، ومن يكتب ليصنع لنفسه اسماً، وعندما يصبح الوصول إلى المنابر أسهل من الوصول إلى جوهر الإبداع، وتتحول الألقاب إلى شهادات تفوق لا تمنحها الموهبة بقدر ما تمنحها العلاقات والمجاملات. عندها لا يتراجع الأدب بسبب قلة الكتّاب، بل بسبب كثرة من يتصدرون المشهد من دون أن يحملوا أعباء الكلمة ومسؤوليتها. وهنا تبدأ الأسئلة المؤلمة عن واقع الأدب العراقي، ذلك الأدب الذي أنجب أسماء تركت بصمتها في الوجدان العربي، فإذا ببعض مظاهر المشهد الراهن تضعنا أمام مفارقة تستحق المواجهة: كيف تتسع مساحة الظهور، بينما تضيق مساحة القيمة؟ وكيف ترتفع أصوات كثيرة، فيما تبقى نصوص تستحق القراءة بعيدة عن الأضواء؟..الأدب العراقي ليس صفحة عابرة في تاريخ الثقافة العربية، بل تجربة غنية بالتمرد والجمال والتجديد، حملت أصواتاً واجهت القمع والحروب والمنفى والفقر، وكتبت عن الإنسان في لحظات انكساره وانتصاره. غير أن عظمة الماضي لا تمنح الحاضر حصانة من النقد، ولا يجوز أن نستخدم أسماء الرواد ستاراً نخفي خلفه عيوب واقعنا الثقافي. فاحترام السياب ونازك الملائكة والجواهري وبلند الحيدري وسواهم لا يتحقق بترديد أسمائهم في المناسبات، وإنما بإحياء الشجاعة الإبداعية التي جعلت أعمالهم جديرة بالبقاء، وبناء بيئة ثقافية تمنح الموهبة حقها، وتفتح أبوابها أمام التجارب الجديدة، وتسمح للنقد بأن يقول كلمته من دون خوف أو حسابات شخصية.المشكلة تبدأ عندما تختلط شهرة الكاتب بقيمة ما يكتبه، وعندما يصبح عدد المتابعين دليلاً على التفوق الأدبي، وتتحول المنشورات المتداولة إلى مقياس وحيد للحضور الثقافي. فوسائل التواصل منحت الكثيرين فرصة الوصول إلى الجمهور، وهذه ميزة لا ينبغي إنكارها، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن خلل في الذائقة لدى بعض المتلقين، وعن استعداد بعض الكتّاب لمطاردة التصفيق السريع على حساب البناء الفني والعمق الفكري. قد يقرأ الآلاف نصاً في دقائق، ثم ينسونه في اليوم التالي، بينما تحتاج قصيدة حقيقية إلى سنوات كي تكشف طبقاتها ومعانيها. ليست المشكلة في أن ينتشر النص، بل في أن تصبح سرعة انتشاره بديلاً عن السؤال الأهم: ماذا أضاف إلى اللغة والإنسان والحياة؟..ومن أشد ما يثير القلق أن تتحول الألقاب الأدبية إلى زينة اجتماعية، وأن تتكاثر شهادات التكريم من دون معايير واضحة، حتى يبدو المشهد وكأنه سباق للحصول على لقب جديد، لا منافسة لإنتاج كتاب يستحق البقاء. فالألقاب لا تصنع أديباً، والشهادات لا تمنح النص روحاً، والصور التذكارية لا تحول الكتابة الضعيفة إلى تجربة عظيمة. قيمة الكاتب تظهر في أثر كلمته، وفي قدرته على تقديم رؤية مختلفة، وفي احترامه لعقل القارئ، وفي استعداده لمراجعة تجربته وتطوير أدواته. أما حين تصبح المظاهر غاية، فإن الثقافة تخاطر بالتحول إلى سوق رمزية يتبادل فيها البعض المديح، بينما يغيب السؤال عن المنجز الحقيقي.وتزداد الأزمة تعقيداً عندما تدخل المجاملة إلى مساحة النقد، فيتحول الناقد إلى صديق يخشى إغضاب الكاتب، ويتحول الكاتب إلى شخص لا يتقبل الملاحظة، ويصبح الاختلاف في الرأي سبباً للخصومة والقطيعة. وهكذا يفقد النقد وظيفته الأساسية، وهي الكشف عن مواطن القوة والضعف، وفتح النص على أسئلة جديدة. إن النقد الذي يمدح كل شيء لا يساعد الأدب، بل يحرمه من فرصة التطور، كما أن الهجوم الشخصي لا يمثل نقداً شجاعاً، وإنما صورة أخرى من صور العجز. نحن بحاجة إلى نقد يقرأ النص قبل اسم صاحبه، ويزن التجربة بمعايير فنية واضحة، ويمنح المبدع حقه من دون أن يمنحه حصانة من المراجعة.وفي هذا المناخ قد يجد الكاتب الجاد نفسه محاصراً بين حاجته إلى النشر ورفضه للمساومة، وبين رغبته في التواصل مع القراء وخشيته من أن يتحول حضوره إلى لعبة علاقات. وقد ينسحب بعض أصحاب التجارب الحقيقية من المنابر التي لا تمنحهم مساحة عادلة، فيما يستمر آخرون في الكتابة بعيداً عن الأضواء، لأنهم يدركون أن القيمة لا تُقاس دائماً بحجم الضجيج. لكن الخطر يكمن في أن يتحول هذا التهميش إلى حالة دائمة، تجعل الموهبة تشك في جدوى الإبداع، وتدفع الكاتب إلى الاعتقاد بأن الطريق إلى الاعتراف يمر عبر المجاملة لا عبر جودة العمل. عندها لا نخسر نصاً واحداً، بل نخسر احتمال ظهور تجارب كان يمكن أن تثري الثقافة العراقية وتمنحها آفاقاً جديدة.ولا يمكن تحميل الكاتب وحده مسؤولية هذا الواقع؛ فالمؤسسات الثقافية ودور النشر والمجلات والمنتديات والجوائز تتحمل جانباً من المسؤولية بحسب طبيعة دورها وآليات عملها. المؤسسة التي تفتح أبوابها للأسماء المعروفة وتغلقها أمام التجارب الجديدة تضيّق مساحة التنوع، والمنبر الذي لا يراجع ما ينشره يترك القارئ أمام تفاوت كبير في الجودة، والجهة التي تمنح التكريم من دون إعلان معاييرها تضعف ثقة الجمهور بقيمة الجائزة. المطلوب ليس إقصاء الأسماء الجديدة، ولا احتكار الثقافة لصالح النخبة، بل بناء معايير شفافة تتيح للجميع فرصة عادلة، وتفرق بين حق الإنسان في التعبير وبين الحكم الفني على ما ينتجه.وثمة جانب آخر لا يقل أهمية، يتمثل في مسؤولية الكاتب تجاه اللغة والملكية الفكرية. فالنص المنقول من دون إشارة إلى صاحبه ليس إبداعاً جديداً، والاقتباس الذي يخفي مصدره يعتدي على حق الكاتب الأصلي، والاعتماد المستمر على أفكار الآخرين من دون إضافة شخصية يحول الكتابة إلى إعادة إنتاج لما قيل. إن احترام حقوق المؤلف ليس تفصيلاً قانونياً هامشياً، بل جزء من أخلاق الثقافة نفسها. ومن يريد أن يحظى بالاعتراف بوصفه مبدعاً، عليه أن يحترم إبداع الآخرين، وأن يعرف أن الأمانة الفكرية لا تقل أهمية عن البلاغة وجمال الأسلوب.ومع ذلك، فإن الحديث عن انحطاط الأدب العراقي ينبغي ألا يتحول إلى حكم شامل على جيل كامل أو إلى محاكمة لكل من يكتب اليوم. ففي العراق كتّاب وشعراء وروائيون وباحثون يواصلون العمل بإخلاص، ويجربون أشكالاً جديدة، ويقدمون نصوصاً تستحق القراءة والنقاش، وقد لا تصل أعمال بعضهم إلى جمهور واسع بسبب ضعف الترويج أو محدودية فرص النشر أو غياب المؤسسات القادرة على اكتشاف المواهب. لذلك فإن الإنصاف يقتضي أن نفرق بين أزمة بعض مظاهر المشهد الثقافي وبين الأدب العراقي بوصفه تاريخاً حياً وتجربة مستمرة. فالتعميم السهل قد يكون أشد ظلماً من المجاملة، لأنه يضع المبدع الحقيقي في القفص نفسه الذي نريد مساءلة من أساءوا إلى قيمة الإبداع.إن النهضة الأدبية لا تبدأ بإعلان الحرب على الآخرين، بل بإعادة الاعتبار إلى الكتاب الجيد، والقراءة الجادة، والنقد المسؤول، والمنافسة الشريفة. تبدأ عندما يتعلم الكاتب أن الشهرة لا تعفيه من تطوير أدواته، وعندما يتعلم الناقد أن الصداقة لا تمنعه من قول الحقيقة، وعندما تدرك المؤسسة أن رسالتها لا تكتمل بتكثير الفعاليات والصور، بل بما تتركه من أثر في وعي المجتمع. وتبدأ أيضاً عندما يستعيد القارئ حقه في الاختيار، فلا يصفق لكل اسم مشهور، ولا يرفض كل تجربة جديدة، بل يمنح النص فرصة عادلة، ثم يحكم عليه بعقله وذائقته.إن الأدب الذي يستحق الحياة هو الأدب الذي يوقظ الأسئلة، ويكشف الزيف، ويمنح الإنسان لغة لفهم ألمه وأحلامه، لا الذي يكتفي بتدوير العبارات المستهلكة وتوزيع المديح المتبادل. وحين يتقدم الرديء في بعض المنابر، فإن الحل لا يكون بإغلاق الأبواب في وجه الجميع، بل بفتحها أمام الجودة، ولا يكون بتقديس الماضي، بل باستلهام روحه النقدية والإبداعية، ولا يكون بتحويل الاختلاف إلى معركة شخصية، بل بإعادة النقاش إلى النص ومعاييره وأثره.العراق الذي أنجب مدارس شعرية وتجارب روائية وفكرية مؤثرة يستحق مشهداً ثقافياً أكثر عدلاً وعمقاً، يستحق أن يُقرأ فيه الكتاب قبل أن تُرفع صور أصحابهم، وأن تُناقش القصيدة قبل أن تُوزع الألقاب، وأن يُكرّم المبدع لأن عمله يستحق التكريم، لا لأن اسمه حاضر في دائرة العلاقات. فالكلمة مسؤولية قبل أن تكون شهرة، والأدب موقف من الإنسان والحياة قبل أن يكون وسيلة للظهور، والمبدع الحقيقي لا يحتاج إلى إقصاء الآخرين كي يثبت حضوره، بل يحتاج إلى نص يقف على قدميه أمام الزمن.إن أخطر ما يصيب الأدب ليس أن يكتب الضعفاء، فلكل إنسان حق المحاولة والتعلم، وإنما أن تُغلق أبواب التطور أمامهم بالمجاملة، وأن يُحاصر المجتهدون لأنهم يرفضونها، وأن يصبح الصخب أعلى من القيمة، واللقب أثقل من الكتاب، والعلاقة أقوى من الموهبة. عندها يصبح الدفاع عن الأدب دفاعاً عن حق الكلمة في أن تُقاس بما تحمل من معنى، لا بما يحيط بها من ضجيج. فهل نريد ثقافة تستهلك الأسماء، أم ثقافة تصنع الأثر؟ وهل نريد أدباً يرضي الجميع للحظة، أم أدباً يملك الشجاعة ليبقى في الذاكرة؟