أين تذهب أموال الشعب العراقي؟
الأرقام الموثقة مدخل إلى الشفافية والمساءلة
عباس النوري
تُعدّ معرفة موارد الدولة وكيفية إدارتها من القضايا الأساسية التي تمس حياة المواطنين ومستقبل البلاد. فالدولة لا تُقاس قوتها بما تمتلكه من موارد فحسب، بل بقدرتها على إدارة تلك الموارد بكفاءة وعدالة وشفافية، وتحويلها إلى خدمات وفرص تنموية تحسّن حياة الناس.
من هذا المنطلق، تأتي سلسلة مقالات «أين تذهب أموال الشعب العراقي؟» محاولةً لفتح ملف الإيرادات التي تحققها الوزارات والدوائر والشركات الحكومية من أنشطتها المختلفة، والبحث في حجم هذه الإيرادات، وآليات تحصيلها، والجهات التي تتولى إدارتها، ومدى انعكاسها على الموازنة العامة.
إن السؤال الذي نطرحه ليس اتهامًا مسبقًا لمؤسسة حكومية، ولا تشكيكًا في كل رقم تعلنه جهة رسمية، بل هو سؤال مشروع تفرضه أهمية المال العام: ما الموارد التي تحققها مؤسسات الدولة؟ وكيف تُسجّل وتُحصّل؟ وما مقدار ما يدخل منها إلى الخزينة العامة؟ وما الذي يُنفق لتشغيل تلك المؤسسات، وما الذي يبقى من إيراداتها بعد احتساب التكاليف؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالشعارات أو الانطباعات، وإنما بالوثائق والبيانات الرسمية والتحليل المالي الدقيق.
بين الإيراد المسجل والمال المحصّل
من الأخطاء التي ينبغي تجنبها التعامل مع كل رقم معلن عن الإيرادات على أنه مال دخل بالفعل إلى خزينة الدولة. فهناك فرق بين الإيرادات المسجلة في الحسابات، والمبالغ التي جرى تحصيلها نقدًا، والمبالغ التي حُوّلت إلى الخزينة العامة، والأرباح الصافية التي تتبقى بعد احتساب النفقات التشغيلية والالتزامات المالية.
وقد تحقق شركة حكومية إيرادات كبيرة، لكن ذلك لا يكفي وحده للحكم على أدائها. فلا بد من معرفة تكاليف التشغيل، وأجور العاملين، والديون والالتزامات، والاستثمارات، وما إذا كانت الشركة تحقق أرباحًا فعلية أم تواجه أعباء مالية تقلل من حصيلتها النهائية.
كذلك، ينبغي عدم احتساب التحويلات المالية بين مؤسسات الدولة إيرادات جديدة في كل مرة تنتقل فيها الأموال من جهة إلى أخرى؛ لأن تكرار احتساب المبلغ نفسه يؤدي إلى تضخيم الأرقام، ولا يقدم صورة حقيقية عن الموارد التي حققتها الدولة.
ولهذا نرى أن أي بحث جاد في الإيرادات الحكومية يجب أن يميّز بين الإيراد الإجمالي، والتحصيل الفعلي، والنفقات، وصافي الربح، والمبلغ المحوّل إلى الخزينة العامة.
ماذا تقول البيانات المنشورة؟
تُظهر التقارير الإحصائية الرسمية أن بعض الشركات الحكومية تحقق إيرادات بمئات المليارات من الدنانير سنويًا. فعلى سبيل المثال، بلغ إجمالي الإيرادات المعلنة للشركة العامة لموانئ العراق نحو 913.8 مليار دينار في عام 2024، فيما بلغت إيرادات الشركة العامة للنقل البحري نحو 239 مليار دينار في العام نفسه. وبذلك تتجاوز إيرادات الشركتين مجتمعتين 1.15 تريليون دينار.
هذه أرقام منشورة في التقارير الإحصائية الرسمية، لكنها لا تمثل وحدها إجمالي إيرادات وزارة النقل بجميع تشكيلاتها، كما لا يجوز اعتبارها أرباحًا صافية أو افتراض أن كامل المبلغ دخل الخزينة العامة. إنها نقطة بداية للبحث، وليست نهاية التحقيق المالي.
وتكشف هذه الأمثلة أهمية نشر حسابات تفصيلية لكل شركة حكومية، توضح إيراداتها ومصروفاتها وأرباحها والتزاماتها المالية، والمبالغ التي تسددها للدولة. فالإحصاء الذي يبيّن حجم الإيرادات يقدّم معلومة مهمة، لكن تقييم الأداء يحتاج إلى بيانات مالية متكاملة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الربط بين التقارير الإحصائية وتقارير وزارة المالية والحسابات الختامية ونتائج التدقيق، حتى يتمكن المواطن والباحث والصحفي من تكوين صورة متماسكة عن إدارة المال العام.
الشفافية لا تعني الاتهام
قد يظن بعضهم أن المطالبة بكشف الإيرادات والنفقات تحمل اتهامًا للمؤسسات الحكومية. والحقيقة أن الشفافية ليست إدانة لأحد، بل وسيلة لحماية المؤسسات والمجتمع معًا. فالمؤسسة التي تنشر بياناتها بوضوح تتيح للرأي العام فهم أدائها، وتمنح المسؤول النزيه فرصة لإثبات ما تحقق من إنجاز، كما تساعد على اكتشاف مواطن الخلل ومعالجتها.
وفي المقابل، فإن غياب البيانات التفصيلية يترك المجال للتخمينات والمبالغات، ويجعل الأرقام المتداولة عرضة للتأويل، سواء أكان ذلك بقصد الإساءة أم نتيجة نقص المعلومات.
وقد أشار تقرير وزارة الخارجية الأميركية عن الشفافية المالية في العراق لعام 2024 إلى أن وثائق الموازنة لم تتضمن معلومات كافية عن مخصصات وأرباح الشركات الحكومية الكبرى، وأوصى بزيادة الإفصاح عن إيرادات تلك الشركات والتزاماتها المالية. وهذه الملاحظة تعزز أهمية تطوير آليات نشر المعلومات المالية، ولا تعني بحد ذاتها إثبات وجود مخالفة في شركة أو مؤسسة بعينها.
إن المطلوب ليس الاكتفاء بنشر إجمالي الإيرادات، بل إتاحة المعلومات التي تسمح بفهم مصادرها، وكيفية تحصيلها، وأوجه إنفاقها، والنتائج المالية التي انتهت إليها كل مؤسسة.
من حق المواطن أن يعرف
إن المال العام ليس شأنًا إداريًا مغلقًا، ولا ينبغي أن تبقى المعلومات المتعلقة به حبيسة التقارير التي يصعب على المواطن الوصول إليها أو فهمها. فالمواطن الذي يتحمل أعباء الضرائب والرسوم وارتفاع تكاليف المعيشة، ويعتمد على الخدمات العامة في حياته اليومية، من حقه أن يعرف كيف تُدار موارد بلاده.
ولا يتحقق ذلك بتداول أرقام ضخمة من دون تدقيق، بل ببناء قاعدة معلومات موثوقة، تعتمد الوثائق الرسمية، وتقارن البيانات عبر السنوات، وتوضح الفروق بين الإيرادات الفعلية والتقديرات، وتعرض ما هو معروف وما لا يزال بحاجة إلى معلومات إضافية.
ومن هذا المنطلق، سنواصل في هذه السلسلة البحث في الإيرادات المحلية لوزارة النفط، ثم ننتقل إلى الوزارات والدوائر والشركات الحكومية الأخرى، وفق ما يتوافر من بيانات منشورة. وسنحرص على ذكر المصادر، وتحديد السنة المالية التي تخصها الأرقام، والفصل بين المعلومة الرسمية والحساب التقديري، وعدم تقديم أي تقدير بوصفه حقيقة محاسبية نهائية.
لسنا بصدد إطلاق أحكام قبل اكتمال المعلومات، ولا نبحث عن أرقام كبيرة لمجرد إثارة الاهتمام. إن ما نريده هو الاقتراب من الحقيقة، وتقديم مادة صحفية تساعد على فهم موارد الدولة، وتفتح باب النقاش المسؤول حول إدارتها.
فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من الأسئلة التي تبقى بلا إجابات، بل إلى بيانات واضحة، ومحاسبة قائمة على الأدلة، ومؤسسات تدرك أن نشر المعلومات المالية جزء من مسؤوليتها العامة.
إن أموال الدولة هي أموال الشعب، والشفافية في معرفة مواردها وإدارتها ليست منّة من أحد، بل أساس للمساءلة والثقة العامة. وما نطالب به ليس أكثر من حق المواطن في أن يعرف، وواجب المؤسسات في أن توضح، ومسؤولية الصحافة في أن تبحث وتدقق وتنقل الحقيقة دون تهويل أو مجاملة.
عباس النوري
المصادر:
وزارة المالية العراقية، بوابة مقارنة الإيرادات والمصروفات:
https://www.mof.gov.iq/obs-reports/revenues-expenditures
هيأة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية، وزارة التخطيط العراقية، تقرير إحصاء نشاط النقل المائي في القطاع العام لعام 2024:
https://www.server.cosit.gov.iq/documents/transportation%20and%20communication/transportation/fullreports/watertrans/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%A6%D9%8A%20pdf.pdf
وزارة الخارجية الأميركية، تقرير الشفافية المالية للعراق لعام 2024:
https://2021-2025.state.gov/reports/2024-fiscal-transparency-report/iraq/