الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مصر وإيران.. علاقة تتجاوز القطيعة وتختبر توازنات الشرق الأوسط

← بواسطة azzaman

مصر وإيران.. علاقة تتجاوز القطيعة وتختبر توازنات الشرق الأوسط

هاشم الشماع

 

في الشرق الأوسط، لا توجد علاقات يمكن قراءتها بمعزل عن الجغرافيا والتاريخ وموازين القوى. ولعل العلاقة بين مصر وإيران واحدة من أكثر العلاقات التي تحمل هذا التعقيد؛ فالدولتان تمتلكان ثقلًا تاريخيًا وحضاريًا وسياسيًا كبيرًا، لكن العلاقة بينهما ظلت طوال عقود أسيرة التجاذبات الإقليمية والدولية.

اليوم، وفي ظل الحروب التي تعصف بالمنطقة، من غزة إلى لبنان وسوريا واليمن، والتوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، تبدو العلاقة المصرية الإيرانية أمام اختبار جديد: هل يمكن أن تتحول من علاقة حذرة إلى علاقة أكثر انفتاحًا، أم أن طبيعة التحالفات الإقليمية ستبقيها ضمن حدود معينة؟

مصر لا تريد عزل إيران

القاهرة تدرك أن إيران أصبحت لاعبًا رئيسيًا في الشرق الأوسط، وأن تجاهلها ليس سياسة واقعية.

وفي المقابل، لا يبدو أن مصر تريد أن تتحول العلاقة مع طهران إلى تحالف سياسي أو أمني على حساب علاقاتها العربية والدولية.

وهنا تكمن خصوصية الموقف المصري.

فالقاهرة تستطيع التواصل مع طهران، وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع دول الخليج والولايات المتحدة، بل والاضطلاع بدور الوسيط عندما تشتد الأزمات.

 

وقد ظهر ذلك بوضوح خلال التصعيد الإقليمي الأخير، عندما تواصل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وأكد استعداد مصر للمساهمة في الوساطة والحلول السياسية والدبلوماسية، مع التشديد على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

هذه ليست سياسة تناقض، بقدر ما هي محاولة مصرية لإدارة شبكة معقدة من المصالح.

إيران تنظر إلى مصر بصورة مختلفة

بالنسبة إلى إيران، مصر ليست دولة عربية عادية.

إنها الدولة العربية الأكبر من حيث الثقل السكاني والعسكري، وصاحبة موقع جغرافي يتحكم بممرات استراتيجية مهمة، فضلًا عن تأثيرها التاريخي والثقافي في العالم العربي.

ولهذا فإن تحسين العلاقة مع القاهرة يمكن أن يمنح طهران مساحة سياسية أكبر داخل العالم العربي.

لكن إيران تدرك في الوقت نفسه أن مصر لن تقبل بأن تكون جزءًا من منظومة نفوذ إيرانية، وأن القاهرة تنظر إلى أمن الدول العربية، وخاصة دول الخليج، باعتباره جزءًا من أمنها القومي.

ومن هنا فإن العلاقة بين البلدين يمكن أن تتطور، ولكنها ستظل محكومة بحسابات دقيقة.

الخليج حاضر في العلاقة المصرية الإيرانية

لا يمكن فصل العلاقات المصرية الإيرانية عن الخليج.

مصر ترتبط بعلاقات استراتيجية واقتصادية وأمنية وثيقة مع السعودية والإمارات ودول الخليج الأخرى، ولذلك فإن أي تطور في العلاقة مع إيران سيكون محسوبًا على ضوء مصالح هذه الدول.

وقد أكدت القاهرة خلال الأزمات الأخيرة دعمها الصريح لأمن دول الخليج، ورفضها استهدافها، كما شددت على أن أمن الدول العربية جزء من أمنها القومي.

وفي المقابل، تحتاج إيران إلى علاقات جيدة مع العالم العربي، ولا سيما في مرحلة تحاول فيها تخفيف الضغوط الإقليمية والدولية عليها.

ولهذا فإن التقارب المصري الإيراني، إذا تطور، لن يكون بالضرورة على حساب الخليج، بل يمكن أن يتحول إلى إحدى قنوات الحوار بين الطرفين.

غزة.. مساحة مشتركة

ربما تكون القضية الفلسطينية إحدى أهم المساحات التي يمكن أن تلتقي فيها القاهرة وطهران، رغم اختلاف الرؤى والمواقف.

مصر تنظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية أمن قومي عربي ومصري، بحكم الجغرافيا والحدود مع قطاع غزة ودورها التاريخي في الصراع العربي الإسرائيلي.

 

أما إيران فتجعل القضية الفلسطينية ومواجهة إسرائيل جزءًا أساسيًا من سياستها الإقليمية.

ورغم اختلاف الأدوات والأهداف السياسية، فإن استمرار الحرب في غزة يجعل التواصل بين القاهرة وطهران أكثر أهمية، خصوصًا أن أي ترتيبات إقليمية جديدة لن تكون مستقرة إذا بقيت القضية الفلسطينية بلا حل.

واللافت أن القاهرة، حتى أثناء انخراطها في جهود الوساطة المتعلقة بالأزمة الإيرانية الأمريكية، شددت على ضرورة العودة إلى معالجة الأوضاع الإنسانية والسياسية في غزة والقضية الفلسطينية.

البحر الأحمر.. المصالح تفرض الحوار

هناك ملف آخر يمكن أن يدفع مصر وإيران إلى مزيد من التواصل، وهو أمن البحر الأحمر.

مصر تعتمد بصورة كبيرة على قناة السويس، وأي اضطراب طويل في البحر الأحمر ينعكس مباشرة على الاقتصاد المصري وحركة التجارة العالمية.

أما إيران، فتملك علاقات وتأثيرًا في واحدة من أهم القوى الموجودة على الضفة الأخرى من هذا الممر الاستراتيجي.

ولهذا فإن أمن البحر الأحمر لم يعد شأنًا يمنيًا أو مصريًا فقط، بل أصبح جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي والدولي.

وهنا يمكن للحوار المصري الإيراني أن يؤدي دورًا مهمًا إذا انتقل من إدارة الأزمات إلى محاولة بناء تفاهمات حول أمن الملاحة وعدم تحويل الممرات البحرية إلى ساحات مفتوحة للصراع.

 

سوريا ولبنان واليمن

 

تتقاطع المصالح المصرية والإيرانية أيضًا في ملفات سوريا ولبنان واليمن.

القاهرة تريد الحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها ومنع تفكك الدول العربية.

أما إيران فبنت خلال السنوات الماضية نفوذًا واسعًا في عدد من هذه الدول.

وهنا يظهر اختلاف مهم بين الرؤيتين.

مصر تريد، بصورة أساسية، أن ترى دولًا عربية مستقرة ومؤسساتها الوطنية قوية، بينما ترى إيران في بعض القوى المحلية التي ترتبط بها أدوات مهمة لحماية مصالحها وأمنها الإقليمي.

لكن هذا الاختلاف لا يمنع الحوار بل ربما يجعل الحوار أكثر ضرورة.

ففي منطقة تمتلئ بالأزمات، يصبح التواصل بين القوى الكبرى أفضل من القطيعة التي قد تؤدي إلى سوء الحسابات.

 

الولايات المتحدة وإسرائيل.. الاختبار الأصعب

 

ستظل علاقة مصر بإيران مرتبطة بشكل أو بآخر بموقف الولايات المتحدة وإسرائيل.

مصر دولة ترتبط بعلاقة استراتيجية مع واشنطن منذ عقود، كما أنها صاحبة معاهدة سلام مع إسرائيل.

وفي الوقت نفسه، فإن إيران تعتبر الولايات المتحدة وإسرائيل من أبرز خصومها.

وهذا يجعل أي تقارب مصري إيراني موضع مراقبة من القوى الإقليمية والدولية.

لكن مصر تبدو حريصة على عدم تقديم علاقتها مع إيران باعتبارها مواجهة مع واشنطن.

وفي المقابل، فإن طهران تدرك أن القاهرة لن تتخلى عن علاقاتها الدولية والعربية من أجلها.

وهذا تحديدًا قد يكون نقطة قوة، لا نقطة ضعف.

فالعلاقات الواقعية لا تقوم على أن يتخلى طرف عن حلفائه، وإنما على أن يجد مساحة مشتركة مع الآخرين رغم اختلاف التحالفات.

هل نحن أمام تحالف؟

من المبكر جدًا الحديث عن تحالف مصري إيراني.

الأدق هو الحديث عن إعادة بناء قناة سياسية بين قوتين إقليميتين كبيرتين.

فالمصالح المشتركة موجودة، وكذلك الخلافات.

والمنطقة بحاجة إلى هذه القناة، خصوصًا في ظل تعدد الحروب والأزمات.

لقد أظهرت التطورات الأخيرة أن القاهرة قادرة على التواصل مع طهران، وفي الوقت نفسه التحدث مع واشنطن والعواصم الخليجية والأطراف المختلفة في أزمات المنطقة.

وقد رحبت مصر في يونيو/حزيران 2026 بالتفاهم الأمريكي الإيراني، واعتبرت خفض التوتر خطوة مهمة لاستعادة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، كما أشادت بالجهود الإقليمية التي ساعدت على الوصول إليه.

 

وهذا يكشف شيئًا مهمًا: مصر لا تريد أن تكون طرفًا في صراع المحاور بقدر ما تريد أن تكون دولة قادرة على الحركة بين المحاور.

مصر وإيران.. ماذا بعد؟

 

إذا استطاعت القاهرة وطهران تطوير علاقاتهما بعيدًا عن الحسابات الأيديولوجية والاستقطابات الحادة، فقد نشهد مرحلة جديدة من العلاقات.

ليس بالضرورة أن تكون علاقة تحالف.

وليس مطلوبًا أن تكون على حساب دول الخليج أو الولايات المتحدة.

بل يمكن أن تكون علاقة تقوم على المصالح المتبادلة، واحترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتنسيق في القضايا التي تمس أمن المنطقة.

وهذا النوع من العلاقات قد يكون مفيدًا للشرق الأوسط كله.

ففي منطقة أنهكتها الحروب، ربما تكون الحاجة اليوم أكبر إلى قنوات الحوار لا إلى محاور جديدة.

ومصر بما تمتلكه من وزن عربي وإقليمي تستطيع أن تؤدي دورًا مهمًا في ذلك، بينما تستطيع إيران، إذا اختارت سياسة أكثر انفتاحًا تجاه محيطها العربي، أن تفتح صفحة مختلفة مع المنطقة.

الشرق الأوسط بحاجة إلى القاهرة وطهران

المشكلة ليست في أن تختلف مصر وإيران.

الاختلاف طبيعي بين دولتين كبيرتين لهما مصالح ورؤى مختلفة.

المشكلة الحقيقية هي أن يتحول الاختلاف إلى قطيعة، أو أن يتحول التواصل إلى صراع محاور.

فالشرق الأوسط اليوم بحاجة إلى صيغة جديدة للعلاقات الإقليمية، تقوم على الاعتراف بالمصالح المتبادلة، واحترام سيادة الدول، ورفض استخدام أراضي الدول الأخرى لتصفية الحسابات.

ومن هنا فإن مستقبل العلاقة المصرية الإيرانية لن يتحدد فقط بما تريده القاهرة أو طهران، وإنما بما ستفرضه التحولات الكبرى في المنطقة.

فإذا اتجه الشرق الأوسط نحو التهدئة، ستكون مصر وإيران أمام فرصة تاريخية لبناء علاقة أكثر استقرارًا.

أما إذا استمرت المنطقة في منطق المحاور والحروب، فستظل العلاقة بينهما محكومة بسقف التجاذبات الإقليمية والدولية.

وفي كل الأحوال، فإن التقارب المصري الإيراني، إن نجح، لن يكون مجرد تطور في علاقة ثنائية بين دولتين، بل قد يكون أحد مفاتيح إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.

فالمنطقة لا تحتاج إلى مزيد من القطيعة، وإنما تحتاج إلى دول كبيرة تتحاور، حتى عندما تختلف.

** كاتب وصحفي عراقي


مشاهدات 45
الكاتب هاشم الشماع
أضيف 2026/10/21 - 4:53 PM
آخر تحديث 2026/10/22 - 1:10 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 140 الشهر 42171 الكلي 16627340
الوقت الآن
الخميس 2026/10/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير