الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عندما تنعقد محكمة العدل الإلهية

← بواسطة azzaman

عندما تنعقد محكمة العدل الإلهية

أحمد آل حميد

 

تتشابك الجغرافيا مع التاريخ في وطني، وتتعانق الأنهار مع الحضارات، يبدو المشهد العام أحيانًا وكأنه لوحة رسمتها رياح القدر بعبثية مؤلمة. فبين دولةٍ تصارع أزماتها، وشعبٍ أنهكه الانتظار، ودينٍ يُساء توظيفه أحيانًا أداةً للفرقة بدل أن يكون منارةً للرحمة، وسياسةٍ تحوّلت في كثير من محطاتها إلى ساحةٍ لتصارع المصالح الضيقة، وثقافةٍ جاثمة تحت ركام الإهمال، يقف العراقيون أمام سؤال يتجاوز السياسة إلى معنى العدالة نفسها:

متى تنعقد محكمة العدل الإلهية؟

أولًا: السياسة والحكم - حين تصبح الدولة غنيمة

معادلة انتخابية

تحوّلت السياسة العراقية، في مراحل كثيرة، إلى حلبةٍ تتبدل فيها التحالفات على وفق المصالح والظروف، بينما يجد المواطن نفسه مجرد رقمٍ في معادلة انتخابية.

أضعفت المحاصصة مبدأ الكفاءة في مؤسسات الدولة، كما أضعفت الولاءات والمصالح المتقاطعة صفة  الاستقلال في القرار الوطني. ومن هذه البيئة تتغذى أزمات أخرى: فسادٌ يتمدد، ومؤسساتٌ تتراجع، وقراراتٌ قد تُتخذ بعيدًا عن الأولويات الحقيقية للناس.

رفعت الحكومات المتعاقبة شعارات الإصلاح، لكن المواطن ظل يسأل عن خدمات هي جزء من استحقاقاته المشروعة  الكهرباء والصحة والتعليم وفرص العمل، ويرى في الوقت نفسه صراعاتٍ على المناصب وكأن الدولة إرثٌ تتقاسمه القوى المتنافسة.

وهنا يبرز سؤال العدالة:

كيف يُحاسَب المواطن البسيط على القليل، بينما يستطيع صاحب النفوذ أن يفلت من حساب الكثير؟

حين يعجز القانون عن الإجابة، يتجه المظلوم بفطرته إلى عدالةٍ لا سلطان لأحد عليها، انها عدالة السماء.

ثانيًا: الاقتصاد - ثروة وطنٍ تتبدد

يمتلك العراق ثروة نفطية هائلة، لكن الاعتماد المفرط على النفط جعل اقتصاده أسيراً لموردٍ واحد، فيما ظلت قطاعات مهمة كالزراعة والصناعة والاستثمار المنتج ضعيفة الدور والنتائج. في بلدٍ غني بالموارد، تبدو المفارقة أكثر إيلامًا حين يعيش جزء غير قليل من أبنائه تحت وطأة الفقر والبطالة وضعف الخدمات.

تتسع الفوارق الاجتماعية فيظل موازنات ضخمة، ويبقى السؤال للمواطن البسيط أكثر الأسئلة منطقية والحاحاً :

أين تذهب هذه الثروة وهذه الموازنات؟

وليست المشكلة في أن العراق بلد فقير، بل في أن ثروته لم تستثمر بعد، بالقدر والطريقة الذي يستحقها، بالاتجاه الذي يجعل منه دولةٍ قوية توجد فيها مدرسةٍ جيدة ومستشفى يحفظ كرامة المريض وفرصة عمل تحفظ كرامة الشاب.

ثالثًا: الدين - بين جوهر الرحمة وتوظيف الانقسام

شكّل التنوع الديني والمذهبي والقومي، على امتداد مراحل طويلة من تاريخ العراق، اطارا من نسيجه الاجتماعي والحضاري.

صراع سياسي

لكن الدين استُخدم في بعض المحطات غطاءً للصراع السياسي والاجتماعي، فتحول بعض المنابر من فضاءاتٍ للهداية والإصلاح إلى أدواتٍ للتحريض أو التخوين أو تكريس الانقسام.

والمشكلة ليست في الدين ذاته، بل فيمن يجعل المقدس وسيلةً للوصول إلى غايةٍ دنيوية وان لم تكن مشروعة.

فالدين الذي يأمر بالعدل لا يمكن أن يكون تبريرًا للظلم، والدين الذي يكرّم الإنسان لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلةٍ لإذلاله.

ويبقى في الضمير الجمعي إيمانٌ عميق بأن الله عادل لا يرضى بالظلم، وأن عدالته لا تعرف حزبًا ولا طائفةً ولا عشيرةً ولا صاحب نفوذ.

رابعًا: المجتمع - الجرح الذي يتسع بصمت

يواجه المجتمع العراقي، رغم قدرته الكبيرة على الصبر والتكيّف، تصدعاتٍ لا يمكن تجاهلها. يضغط الفقر على شرائح واسعة، والطبقة الوسطى تعاني التآكل والانحسار، والهجرة تستنزف جزءًا من الطاقات الشابة والكفاءات، فيما تكشف ظواهر العنف الأسري والمجتمعي والمخدرات وتراجع الثقة بين الناس عن جرحٍ أعمق من أن تعالجه الحلول المؤقتة. أما المرأة العراقية، فعلى الرغم من حضورها الكبير في التعليم والعمل والحياة العامة، لا تزال الكثير من تواجه العوائق الاجتماعية والاقتصادية والقانونية تحول دون الوصول الكامل إلى حقها في حياة كريمة امنة تصون كرامتها. اما الشباب، وهم الرصيد الأكبر الذي يمكن أن يمتلكه أي بلد.

 يجد كثيراً منهم نفسه بين بطالةٍ لا حلول لها وانتظارٍ لا نهاية له وهجرةٍ مجهولة النتائج واحتجاجات  وبحثٍ عن فرصة وعن ضوء في نهاية النفق إن كان هناك نفق اصلاً، وهؤلاء، في الغالب، يدفعون ثمن أخطاءٍ لم يكونوا هم مَن صنعها او جزء من اسبابها.

خامسًا: الإعلام والثقافة - معركة الوعي

الإعلام منقسم بين منابر تحاول كشف الخلل، وأبواقٍ تكرر ما يُملى عليها، ومؤسساتٍ ومنصاتٍ تخنقها وتحدد توجهاتها في كثير من الاحيان الضغوط السياسية والاقتصادية.

أما وسائل التواصل الاجتماعي، فقد منحت الجميع فرصة التعبير عن الراي، لكنها فتحت في الوقت نفسه أبوابًا واسعة أمام الشائعات وخطاب الكراهية والتضليل. وهكذا أصبح الوعي نفسه أداة للصراع.

وفي الجانب الآخر، تواجه الثقافة العراقية تحدياتٍ لا تقل خطورة. فالتعليم يعاني أزماتٍ تهدد وعي الأجيال وصلتها بهويتها الثقافية، ويختار بعض المثقفين وأصحاب الكفاءات الهجرة، فيما يواجه الفن والفكر صعوبة في إيجاد المساحة التي تليق بتاريخ العراق الثقافي وعمقه الحضاري  .

ومع ذلك، يبزغ بين حين وآخر صوت شاعرٍ أو كاتبٍ أو فنانٍ أو عالم، ليذكّر الجميع بأن هذا البلد لم يفقد قدرته على النهوض.

سادسًا: المسؤولية المجتمعية - لسنا ضحايا فقط

لكن الحديث عن العدالة لا يمكن أن يتوقف عند الحاكم والمسؤول. فالمجتمع أيضًا مسؤول عن نتائج اختياراته. من باع صوته مقابل منفعةٍ عابرة، ومن برّر الفساد لأن الفاسد من عشيرته أو طائفته أو حزبه، ومن عرف الحقيقة ثم زيّفها، ومن استطاع كان باستطاعته قول كلمة الحق فاختار الصمت حفاظًا على مصلحة شخصية.

ليس كل صامتٍ شريك فقد يصمت الإنسان خوفًا أو عجزًا أو قهرًا. لكن هناك فرق بين من عجز عن مقاومة الظلم، ومن اختار التعايش معه وقبل به وبرر له لقاء منفعة خاصة. العدل لا يعرف «نحن» و «هم»، بل يعرف الفعل والمسؤولية وتوافر النية. وهنا يظهر السؤال الأصعب:

هل نحن ضحايا فقط، أم أن بعضنا أسهم - بالتأييد أو بالصمت أو بالتبرير - في صناعة ما نتظلم منه؟

سابعًا: الأطفال والأجيال القادمة - الشاهد الذي لم يختر شيئًا

يبقى الطفل هو السؤال الذي لا تستطيع السياسة مراوغته. طفلٌ لم يختر حكومته، ولا طائفته، لا ظروف أسرته، ولا الحي الذي وُلد فيه. طفلٌ قد يكبر في مدرسةٍ متهالكة، أو في بيتٍ لا يصل إليه الماء الصالح للشرب، أو في مدينةٍ يبحث فيها أبوه عن فرصة عمل هي غير موجودة اصلاً. بأي ذنبٍ يرث جيلٌ جديد أخطاء أجيال سبقته؟ وأي وطنٍ سنتركه لمن يأتي بعدنا؟

إن أخطر أنواع الفساد ليس ما يسرق مال الحاضر فحسب، بل ما يسرق من فرص المستقبل.

مشهد المحكمة: ثم تأتي اللحظة التي يؤمن بها المؤمن بأنها آتية لا محال اللحظة التي تنتهي عندها سلطة الإنسان، ويبدأ الحساب الذي لا يملك بشرٌ تعطيله أو تغيير نتائجه.

وما يأتي هنا ليس وصفًا حرفيًا للغيب، وإنما تصويرٌ أدبي بلغة البشر لمعنى العدالة والحساب.

لنتخيّل المشهد: لا أبواق ولا مواكب، لا كاميرات ولا حراسات، لا مناصب ولا ألقاب لا أحزاب ولا عشائر.

يُبعث الناس، ويقف الجميع في صعيدٍ واحد، من كان يملك ومن لا يملك، من أمر ومن أطاع، من ظلم ومن ظُلم، من اؤتمن ومن خان، ومن على الظلم اعان. لا مكانة تشفع لصاحبها، ولا حزب يحميه ولا عشيرة تأويه، ولا سفارة تجيره، ولا مال يشتري له تذكرة سفر الى وجهة اخرى.

تُفتح السجلات.. ويُستدعى من جعل الدين سلّمًا إلى السلطة، وكأن السؤال  الذي يواجهه:

قف. كم مرة رفعت اسم الله لتدافع عن مصلحة الشخصية؟ كم مرة جعلت المنبر طريقًا إلى الكرسي؟ وكم مرة فرّقت بين الناس وأنت تزعم أنك توحدهم؟

يبحث حوله، فلا يجد جمهورًا يهتف، ولا حاشيةً تصفق ولا حمايات تصد عنه. بقي وحيداً يواجه صحيفة اعماله.

ثم يأتي ارباب السلطة والمال: أين ذهبت الأموال التي اؤتمنتم عليها؟ ماذا فعلتم بالمستشفى الذي كان يمكن أن تنقذ طفلًا؟ وبالمدرسة التي كانت من الممكن أن تصنع عالمًا؟ وبالفرصة التي حُرمتم منها شاب ومنحتموها لمن امتلك الواسطة والنفوذ؟ هنا لا تنفع الخطابات، ولا البيانات، ولا المؤتمرات الصحفية. الأعمال هي التي تتكلم..

ثم يأتي من رأى الظلم وكان قادرًا على مقاومته، لكنه اختار الصمت طمعًا في منفعة. بل واعان الظالم عليه وزين له الباطل. ومن زيّن الباطل. ومن برّر السرقة. ومن جعل انتماءه إلى الحزب أو الطائفة أو العشيرة أكبر من انتمائه إلى الحق.

ثم تُستدعى الشعوب فمنها من يقف شاهدًا على الظلم، ومنها من يُسأل عن مشاركةٍ أو تبريرٍ أو تقصير، كلٌّ قدر فعله. ويقف معهم الطفل الذي رحل وهو ينتظر العلاج، والشاب الذي ابتلعه البحر في طريق الهجرة، والأم التي بكت وحيدها، والفقير الذي عاش ومات وهو يبحث عن حقه في الحياة.

لا لأن المظلوم معصومٌ من الخطأ لمجرد أنه مظلوم، ولا لأن صاحب السلطة مذنبٌ لمجرد أنه صاحب سلطة، بل لأن الميزان هناك لا يعرف الأسماء والمناصب ومعياره العمل. فالظالم يُحاسَب على ظلمه، والمظلوم إن تعدّى حدود الحق يُحاسَب على تعدّيه، ومن أخطأ ثم تاب توبةً صادقة فأبواب الرحمة أوسع من أحكام البشر.

إنها ليست محكمة ثأر.. إنها محكمة حق وعدل.. فالعدل الإلهي ليس انتقام المظلوم من خصمه، وإنما وضع كل شيءٍ في موضعه، وإعطاء كل ذي حقٍ حقه، ومحاسبة كل إنسان على ما اكتسب دون محاباة او تمييز.

لكن يبقى السؤال الذي يحرق القلب: ماذا عن الذين ماتوا ولم يروا عدلًا في الدنيا؟ ماذا عن أمٍ دفنت ابنها وهي تنتظر إنصافه؟ وعن أبٍ أفنى عمره بين أبواب المحاكم ثم رحل قبل أن يرى حقه يعود؟ وعن إنسانٍ عاش مظلومًا ثم مات والظالم ما يزال يتمتع بما أخذ؟

هنا تظهر إحدى أعمق معاني الإيمان بالعدل الإلهي: أن غياب العدالة في لحظةٍ من الزمن لا يعني سقوط الحق، وأن إفلات الإنسان من محكمة الأرض لا يعني إفلاته من محكمة السماء.

لكن هذه العقيدة لا ينبغي أن تصبح مخدرًا للضمير. فالقول إن الله  سبحانه وتعالى سيحاسب الظالم غدًا لا يعفينا من مسؤولية رفض ظلمه اليوم.

لماذا لا نبدأ الآن؟ لا يلغي العدل الإلهي واجب إقامة العدل البشري. بل إن الإيمان بالحساب ينبغي أن يجعل الإنسان أكثر حرصًا على العدل، لا أكثر استسلامًا للظلم. فما معنى أن نؤمن بمحكمةٍ عادلة في الآخرة، ثم نصنع في الدنيا مؤسساتٍ تسمح للقوي بأن يفلت والضعيف بأن يُسحق؟ وما معنى أن ندعو الله لإنصاف المظلوم، ونحن قادرون على إنصافه اولا ولا نفعل؟ وما معنى أن نلعن الفساد، ثم نبرره حين يخدم مصالحنا؟

إن انتظار عدالة السماء لا يبرر الخذلان في الأرض. فالإنسان مسؤول عن اختياره بقدر استطاعته، والمجتمع مسؤول عن قيمه، وصاحب السلطة مسؤول عن أمانته، وصاحب الكلمة مسؤول عن كلمته. وحين ينتهي الجدل كله يبقى السؤال الأهم يتردد في الضمير: إذا كنا نؤمن بأن الحساب آتٍ، فلماذا لا نبدأ الآن بإقامة عدلٍ بشري يعكس إيماننا بالعدل الإلهي؟ لماذا ننتظر يوم الواقعة، ونحن ما زلنا نملك في الدنيا فرصةً للاعتراف، والتوبة، وردّ الحقوق، والإصلاح؟

يستحق العراق، بموارده وشعبه وتاريخه وحضارته، أن يكون موطنًا للعدل، لا ساحةً تنتظر الحساب. ولعل أول الطريق ليس قرارًا حكوميًا ولا شعارًا انتخابيًا، بل ضميرٌ يستفيق عند الحاكم والمحكوم، عند رجل الدين والمثقف، عند الإعلامي والموظف، عند الناخب والمنتخب، وفي كل إنسان يملك قرار الاختيار بين مصلحته والحق.

فالإيمان بعدالة السماء لا يعفينا من مسؤولية إقامة العدل على الأرض.

 


مشاهدات 63
الكاتب أحمد آل حميد
أضيف 2026/10/17 - 12:14 AM
آخر تحديث 2026/10/17 - 1:10 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 110 الشهر 31327 الكلي 16616496
الوقت الآن
السبت 2026/10/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير