الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إرتفاع سعر الدولار وإنخفاض القوة الشرائية للعملة

← بواسطة azzaman

وجهة نظر إقتصادية

إرتفاع سعر الدولار وإنخفاض القوة الشرائية للعملة

جمال داود سلمان

 

لا توجد وسيلة أكثر يقينا لتقويض الأسس القائمة للمجتمع من افساد العملة واضعاف قيمتها. فقرار خفض قيمة الدينار لا يمثل مجرد متغير نقدي، بل قد ينعكس على القوة الشرائية وتوزيع الدخل وكلفة المعيشة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وتأسيسا على ذلك يثير قرار اضعاف الدينار العراقي مقابل الدولار، سؤالا اقتصاديا أساسيا. لماذا لم نتبنى حلول اقتصادية بديلة قبل اللجوء الى تعديل سعر الصرف؟ فسياسة سعر الصرف ليس مجرد أداة محاسبية لزيادة الإيرادات الأسمية بالدينار، وانما متغير اقتصادي كلي يؤثر في مستوى الأسعار والقوة الشرائية والدخل الحقيقي وكلفة معيشة المواطن وفي الأداء الاقتصادي بشكل عام.

فمن منظور الاقتصاد الكلي والمحاسبة لا يكفي قياس نجاح القرار من خلال مقدار الزيادة ألسمية في الإيرادات الدينارية ، بل ينبغي مقارنة هذه الزيادة بما قد يترتب عليها من تكاليف تضخمية واجتماعية وانكماش محتمل في الطلب الحقيقي ، ولذلك فأن المعيار العلمي ليس كم ديناراٌ اضافياٌ تحقق الدولة مقابل الدولار ، وانما كم يبقى من هذه الزيادة بعد احتساب اثرها في القوة الشرائية وكلفة المعيشة والاقتصاد الحقيقي ، وفي هذا السياق يمكن بحث عدد من الحلول الاقتصادية البديلة قبل اللجوء الى اضعاف سعر الصرف من أهمها :-

قاعدة ايرادية

زيادة الإيرادات الحقيقية بدلا من الإيرادات الاسمية من خلال اصلاح التحصيل الضريبي والجمركي وتوسيع القاعدة الايرادية ، وتقليل التهرب والتسرب المالي بما يعزز موارد الدولة دون تحميل القوة الشرائية للمواطن كلفة مباشرة .

إعادة هيكلة الانفاق العام من خلال مراجعة بنود الانفاق وترشيد النفقات غير المنتجة، وتحسين كفاءة الانفاق الاستثماري واستخدام أدوات مثل الموازنة الصفرية  Zero Based Budgeting  . تقليص الفجوة بين الايراد والانفاق من خلال الإصلاح المؤسسي، أي معالجة أسباب العجز والهدر والتسرب المالي بدل معالجة نتيجتهما فقط من خلال سعر الصرف.

تنويع مصادر الدخل والايرادات بتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية وتعزيز القطاعات الإنتاجية بما يزيد من الإيرادات الحقيقية ويقلل هشاشة المالية العامة امام تقلبات أسعار النفط.

إدارة السيولة والفجوة المحاسبية Accounting Gap   من خلال تحسين إدارة تدفقات الدينار والدولار وتقليل التسرب في دورة الأموال وربط السياسة النقدية بالقدرة الفعلية للاقتصاد على توليد الدخل والثروة.

تفكيك تراكم راس المال السياسي وتتبع الأثر المالي لصفقات الفساد الكبير من خلال توظيف المحاسبة الجنائية  Forensic Accounting  وتتبع مسار الأموال Money Trail  لرصد التدفقات المالية المرتبطة بصفقات الفساد الكبير وذوي النفوذ وقياس اثرها في المال العام والعجز والانفاق ، مما يسمح بمعالجة مصادر الهدر المالي قبل تحميل الاقتصاد والمواطن كلفة تعديلات سعر الصرف ، وعليه فان المقارنة العلمية لا ينبغي ان تكون بين اضعاف الدينار أو عدم اضعافه فقط ، بل بين مجموعة بدائل اقتصادية وفق معيار التكلفة والعائد والاثر التوزيعي على الدولة والمواطن والاقتصاد الحقيقي ، ويمكن اختزال جوهر هذا التقييم بالمعادلة الاتية :

صافي الأثر الحقيقي = الزيادة الاسمية في الإيرادات – التكلفة التضخمية .

كما ان ارتفاع سعر الدولار أمام الدينار العراقي يمكن تفسيره اقتصادياً من خلال عدة عوامل مترابطة، وليس من خلال سعر الصرف وحده:

أولاً: تأثير ارتفاع الدولار، حيث يعتمد العراق بدرجة كبيرة على استيراد السلع والخدمات، بينما تُسعَّر معظم الإيرادات النفطية بالدولار. لذلك، عندما يرتفع الدولار مقابل الدينار:

ترتفع كلفة السلع المستوردة.

تزداد أسعار الغذاء والدواء والسلع الاستهلاكية.

ترتفع كلفة الإنتاج المحلي الذي يعتمد على مواد أولية أو آلات مستوردة.

تنخفض القيمة الحقيقية لدخول المواطنين، خصوصاً أصحاب الرواتب الثابتة.

ثانياً: أسباب ضعف الدينار، قد يتأثر سعر الصرف الموازي بعدة عوامل، منها:

زيادة الطلب على الدولار لأغراض الاستيراد والسفر والتحويلات.

صعوبة أو بطء الحصول على الدولار بالسعر الرسمي نتيجة إجراءات مصرفية أو رقابية.

ضعف الثقة بالنظام المصرفي وتفضيل الاحتفاظ بالدولار.

التهريب وغسل الأموال وتحويل العملة إلى الخارج.

اعتماد الاقتصاد على النفط وضعف تنويع مصادر الدخل.

التوقعات السلبية؛ فمجرد توقع انخفاض قيمة الدينار قد يدفع الناس والتجار إلى شراء الدولار، مما يزيد الضغط عليه.

سوق موازي

ومن المهم التمييز بين انخفاض سعر الصرف وارتفاع الأسعار؛ فقد يبقى السعر الرسمي ثابتاً، لكن ترتفع الأسعار بسبب سعر السوق الموازي أو بسبب توقعات التجار أو ارتفاع تكاليف النقل والاستيراد.

ثالثا: الآثار الاقتصادية والاجتماعية، ارتفاع الدولار يضر خصوصاً بـ:

ذوي الدخل المحدود والمتقاعدين.

أصحاب المشاريع الصغيرة المعتمدين على السلع المستوردة.

المستهلكين عموماً، بسبب تراجع الدخل الحقيقي.

وقد يستفيد منه جزئياً المصدرون أو من يحصلون على إيرادات بالدولار، لكن هذا الأثر محدود في العراق لأن الاقتصاد غير النفطي ضعيف، ولأن أغلب المواطنين يتقاضون دخولهم بالدينار.

رابعاً: المعالجة الاقتصادية

تقليص الفارق بين السعر الرسمي والموازي.

تبسيط إجراءات التحويل والاستيراد مع تشديد الرقابة على العمليات الوهمية.

مكافحة التهريب وغسل الأموال.

دعم الإنتاج المحلي الحقيقي، لا الحماية العشوائية.

تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط.

تقوية المصارف ونشر وسائل الدفع الإلكتروني.

حماية الفئات الضعيفة عبر دعم نقدي موجّه أو ربط الأجور بالتضخم عند الضرورة.

تحسين المنافسة ومراقبة الاحتكار.

إدارة مالية أكثر انضباطاً وتقليل الهدر والإنفاق غير المنتج.

وختاما:

ان اضعاف الدينار قد لا يعالج أصل المشكلة المالية اذا كانت تكاليفه اللاحقة أكبر من المكاسب الاسمية، وقد يؤدي الى زيادة الضغط المالي على الدولة والضغوط التضخمية في السوق العراقية، ومن هنا فأن السؤال المركزي هو هل كانت الزيادة الأسمية في الإيرادات الناتجة عن اضعاف الدينار تفوق تكلفتها الحقيقية على الاقتصاد والمواطن أم ان بعض البدائل الاقتصادية كان يمكن ان تحقق الهدف المالي بكلفة اقل على القوة الشرائية

فارتفاع سعر الدولار في العراق ليس مجرد مشكلة نقدية، بل هو انعكاس لضعف هيكل الاقتصاد، والاعتماد الكبير على الاستيراد، ومحدودية الثقة بالمؤسسات المالية، ووجود فجوة بين السعر الرسمي والموازي. والحل الحقيقي يكمن في استقرار سوق الصرف، وإصلاح القطاع المصرفي، وزيادة الإنتاج المحلي، وتنويع الاقتصاد، مع حماية القوة الشرائية للمواطنين.

 

  قسم العلوم المالية والمصرفية / جامعة دجلة


مشاهدات 65
الكاتب جمال داود سلمان
أضيف 2026/10/24 - 4:42 PM
آخر تحديث 2026/10/25 - 12:49 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 93 الشهر 48876 الكلي 16634045
الوقت الآن
الأحد 2026/10/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير