رواية أرصفة الكرادة توغل وإستنتاج في عوالم كثيرة ، وهي أشبه بموعظة تختلط بين الديني والسياسي
قاسم ماضي
توصيات كثيرة ، ومواعظ لا تعد ولا تحصى أسس لها الروائي " نعناع " في روايته الأولى المعنونة " أرصفة الكرادة " والصادرة عن دارنشر " دار الفجر والضياء " وتقع الرواية في 124صفحة ومن القطع المتوسط .
" لا تسمح لأي أحد بأن يستغلك مهما كان الثمن ، حتى نفسك التي بين جنبيك لا تسمح لها باكثر من ان تمدك بالنَفس الذي يعطيك الحياة " ص125
انطلق الروائي " نعناع " من شخصية " محمود " المتعلم والحاصل على شهادة ، وهو شاب طيب ، وفي الرابعة والثلاثين من عمره ، حسن المظهر ، مرتب الهندام ، وهو ايضا محظوظ نوعا ما ، ليدخلنا في عوالم شخصيات آخرى عبر حكايته وهذه الشخصيات انهكتها الأرصفة التي يسيطر عليها اتباع السلطة بعد عام 2003
" هو الذي يحسب للنظرة الف حساب ، الذي لا يترك خلفه اي سوء فهم إلا اصلحه " ص13
حتى ان الخط السردي أو ما يسمونه " خيط السرد " هو المسار أو التتابع الذي تتبعه الأحداث والشخصيات الذي تبناه الكاتب " نعناع " اكتسب شكلا مختلفا عن آلية السرد التقليدية حيث البعد النفسي للشخصيات واشتغالاتها بوصف الروائي دارسا لعلم النفس ليكشف لنا عالم تردي الأوضاع الانسانية ببعدها القيمي والسلوكي بسبب الطبقة السياسية التي جاءت بعد عام 2003.فهو برع عبر لغة وصفية بليغة ومعبرة فيها من الدروس لهذا الجيل الذي شبع ضيما وقهرا حتى أنه لم يجد قوت يومه ، وهكذا روايات يطلق عليها " الرواية السياسية او التخيل السياسي " والتي تتخذ من واقع الاحزاب ونهجها السياسي مادة للسرد عبر مخيال روائي وحكايات تحمل الكثير من ملامح الواقع الذي انتجته الاحزاب الحاكمة .
" مؤسسات الدولة خاضعة للاحزاب والميليشيات والرؤوس الكبيرة التي بجانب الشخصيات المتنفذة " ص17
فسار الكاتب " نعناع " وهو يسمك " العصا الغليظة " بطرحه أو بخطواته المحسوبة كي تكون نقاط ارشاد لكل هذه الفوضى التي جعلت البلاد تعوم فيها ليقول لهؤلاء الذين تولوا شؤون البلاد ، ان الشباب هم ألاداة الأقوى في المجتمع .
" كان فعلا سؤالا يبدد الضوضاء والثرثرة ويفؤض الصمت النسبي ويخرج الحية من الزاغور ص18
فأنطلق من خلال العنوان " أرصفة الكرادة " لتكون عتبة روايته وهو تلميح مبطن صب الكاتب جام غضبه على هذه الطغمة الحاكمة التي باتت تتحكم حتى في أرصفة الشوارع وتمنحها لمن تشاء من اتباعها . ولأن البلاد ذهبت إلى الهاوية واصبحت تتعكز على مفاهيم شيطانية تشكل عصب فلسفة الاحزاب الحاكمة ، لذا إشتغل الروائي على عدة جوانب لينسج تركيبة حكائية ذات طابع سياسي اجتماعي وانساني تجسد لنا ما تمر به البلاد والعباد من واقع عجائبي بسبب رجال السياسة في العراق .
" كما ان طرفي المعادلة في حالة سيرورة نحو " الميغالوتيميا " حق الاعتراف " الذي يساوي الاعتداد الخفي أو الضمني بالنفس " ص54
ليوصف لنا " أرصفة الكرادة " وهي بتكوينها الرمزي المصغر والمعبر عن جميع الكيانات التي تصول وتجول تحت يافطات حزبية عديدة مستغلة وضعها في هرم السلطة ، وهي تعبث الباعث على السيطرة من خلال الجهات السياسية التي لم تنصف الناس بعد سقوط الديكتاتورية ، وأصبحت جميع شخصيات الرواية هي رمز إغترابي ، وانتطار، وتشرد ، فتمظهر هذا الرصيف بعدة دلالات ومنها الملجأ ، والمكان . ودارفي فلكها عبرعدة طرق ذات نزعة مؤلمة ، أتخذت عبر مسار نفسي واجتماعي مما شكلت لنا خريطة في الواقع العراقي المؤلم . وأطلقها مؤلف الرواية الدكتور" محمد نعناع " إلى بطله وهو المعيل الوحيد لعائلته "واتخذ من أسمه عدة دلالات، حيث أسماه " محمود "هذا الشاب الطيب،انسان عادي في الرابعة والثلاثين من عمره ، حسن المظهر، مرتب الهندام ،وهو ايضا محظوظ نوعا ما، وكأنما أراد أن يقول في بلد ٍ" كالعراق " يعتمد معظم أبنائه على الحظ . يقول ان مصطلحات كثيرة شكلت عبئا على الكائن العراقي " وصلت قوات الحاج " ص59
ومن هذه الخطوات هي الخطوة " 6 " والتي عنونها الكاتب " نعناع " المرأة اللعوب والشاب المنفلت والباشا والحاج ، حتى وضع المرأة بحالة غنيمة مؤكدا عليها انها وقعت بين متحاربين ، لا اتحدث عن استغلالها في مجال الاعلانات مثلا ، اتحدث عن قبولها بان تكون في حماية مسؤول رسمي او قائد مليشياوي ، هذه المعادلة قائمة على أساس منطقتي النفوذ ةالشهوة ، حتى ان المرأة وقعت اسيرة لهؤلاء بعدما سيطروا على البلاد وهم ثلة فاسدة فأنشأوا وسيطا " قواد "
ليقول " في بعض الاحيان ينشأ تحالف وسيط من الجنس الناعم " ص55
رواية معمقة فيها من الفسلفة الكثيرولغة صافية وبليغة مستعينا بالعدد الكبير من الفلاسفة والكتاب العالميين والذين تركوا لنا أرثا معرفيا ،كلما شخصت هذه الصورة المحفوفة بالبؤس ، المطرزة بالالام في الجزء المرتاب من تفكيره ، أحس بأنه لا يشعر رغبة في التقيؤ ، ولو تتبعنا هذه الخطوات " العشرة " لوجدناها انها اشبه بالسيرة لانه رسمها ليقول ان المثقف هو الشخص المحاصر لأن شخصية " محمود " جاءت رافضة للواقع بالرغم من استدراجه وقبوله الوظيفة من قبل هذه " الدكاكين الحزبية " التي شكلت العبئ الكبير على مصالح الوطن والناس . ولكنه رفض الاسستسلام بمقولة كتبها لنا في روايته لتظل هي شاخصة لنا وقال " لا تسمح لأي احد بأن يستغلك مهما كان الثمن ، حتى نفسك التي بين جنبيك لا تسمح لها ، بأكثر من ان تمدك بالنفس الذي يعطيك الحياة ، صحبح انها سر وجودك وعليها فقط يتوقف بقاؤك في هذه الحياة ، ولكن لتكن الروح رفيقتها ، فبدونها انت ميت في الحياة وبها انت حي في الاموات " نوافقكم الرأي ولكن نختلف معك لأن عبر التاريخ كثير من الدماء سالت من أجل نصرة الأوطان وظلت عوائلها متشردة أخذت منها الأرصفة العمر وفقدت تعليمها ومستقبلها بسبب مناصرة الحق ورفض الباطل ، تعد هذه الرواية من الروايات الفلسلفية يغلب عليها مسحة الجمال اللغوي في الكثير من الخطوات التي أراد منها فضح هذا القبح في الحياة السياسية الجديدة التي قال عنها " حكاية إنسان لا قصة مكان "
" انه زمن المعلومات ، المعلومات الصحيحة ، والمعلومات الكاذبة على حد سواء " وهكذا روايات مفتوحة ابوابها للنقاش ، لأن جميع الأسئلة التي طرحها المؤلف يجب مناقشتها من أجل اجيالنا الصاعدة ومستقبل أولادنا ، لا ان تكون الدولة بيد أناس يستغلون الوضع ويهيمنون على ثروات الوطن ، فالشاب " محمود " بطل الرواية هو خريج وصاحب عائلة عليه ان يعيش في مجتمعه ولا تمس كرامته ، فالشباب هم أمل الحياة وهم جذوة المستقبل المنشود .
***
رواية " أرصفة الكرادة " توغل وإستنتاج في عوالم كثيرة ، وهي أشبه بموعظة تختلط بين الديني والسياسي .