الحرية بينَ حضور المجتمع السائل وغياب الصلب
مزهر الخفاجي
العقل الذي لا يتألم لا يحسن التعامل مع الحياة... وحين تغيب الصعوبة يموت التفكير... نعم. اغبى جيل ليس مَن لا يعرف... بل مَن يكره الصمت، لأنه يكشف ضعفه.. وإن شعرت بالغضب الآن فهذا ليس ظلماً، بل تشخيص من ان هناك ظلما بدا يتمدد او يستشري كما يقول المفكر ( شوبنهاور). وإنّ الصمت أو السكوت على الظلم لا يمثل الإحترام بالمطلق.. إذ يبدو أن هذا الاحترام ضعف واضح. وحول هذا الضعف اننا يمكن ان نطلق صرختنا فنقول:
- ليس هناك أكبر دناءة.. من الاحترام القائم على الخوف.
وحين ينتشر الخوف في مفاصل المجتمع والفاعلين فيه يتحوّل المجتمع من مجتمع صلب واع قادر على التعبير والدفاع عن مصالحه وطموحاته الى مجتمع سائل كما يصفه عُلماء الاجتماع السياسي.
وهذا المصطلح يوصف بيئات هذه المشاكل الفكرية والسياسية والاجتماعية وصلابتها، وهو توصيف لما تعانيه المجتمعات حينما تفقد هذه البيئات القدرة على التعبير عن مصالحها وهذا ربط غاية في الدقة فالخوف يعني مسخ للأنا ..والبوح تعبير بدئي عن الحق والحاجة والمصلحة. الغريب ان في مجتمعاتنا العربية ان تكلس العماةل السياسي ..او قولوا تدوير الفاشلين والفاسدين في الأمساك في المشهد يحول المرافق والمبادىء السياسية الوطنية الى كُتل من المواقف السياسية الهلامية التي لاتعبّر عن مصالح المجتمع ككل، لان المصالح اللحظية تشكلّها القوى الماسكة بالسلطة. وتكمن خطورة المجتمعات السائلة ( جمع مجتمع سائل) والتي تشبه الى حد قريب مجتمعاتنا في اصابتها بالامراض التالية:
أولاً: الولاءات المتحركة:
وهو المرض العُضال الذي اصاب الكثير من الفاعلين الاجتماعيين ( النُخب، شيوخ العشائر، رجال الاعمال، ووسائل الاعلام.... الخ). التي تعرض مواقفها الوطنية والسياسية في سوق المزايدات.
وهي تنتقل من ضفة الى ضفة اخرى، ومن حزب الى حزب آخر، ومن كتلة الى كتلة اخرى او من زعيم الى زعيم اخر ... وبقائها في هذه الضفة او انتقالها الى ضفة اخرى بناءاً على حجم المكاسب التي تحصل عليها.
والجدير بالذكره ان هؤلاء الفاعلين الاجتماعيين لا ينظرون الى القيم والمبادىء الوطنية ومصالح الشعب، لانها تعدها قيم مثالية لا تنتمي الى نمط سلوكها التي تتركز على الحصول على المنافع الشخصية.
ثانياً: شيوع ظاهرة الاغلبية الصامتة:
غالبية شعبية
وهؤلاء يتمركزون في اوساط الاغلبية الوطنية، التي تشكّل الغالبية الشعبية الكبرى في المشهد الوطني.. والتي انهكتها الوعود الزائفة.. فضلاً عن طول انتظارها لِشِعارات ( الحياة الحرّة الكريمة) طويلاً.
وملّت من الوعود والبرامج السياسية الطويلة والعريضة.. فبددّت الجماعة السياسية بالثقة التي منحتها لهم هذه الاغلبية فآثرت الصمت، فضلاً عن العزوف من المشاركة الوطنية في الممارسة الديمقراطية، التي هي الانتخابات وان ساهمت فيها فهي تقدم الولاء والانتماء والطاعة على الكفاءة والوعي والنزاهة. ويتجلى ذلك مرّة بسبب عدم ثقتها بهذه الاحزاب او تلك الكتل... واخرى عقاباً منها لديمقراطية لم ترى منها شيئاً من الخير او التطور او النهوض بالبلاد. لذلك تخلّت هذه الاغلبية الشعبية الصامتة عن دَورها في المشاركة. وايضاً بدأت تقوم بالضغط وممارسة الرقابة، وتشكيل ملامح رأي عام ضاغط.. لانها لم تَعُد تثق بالممسكين بالسلطة.. التي اوغلت في الفساد، وادارة ظهرها لمصالح الشعب وتطلعاته.
لذلك آثرت هذه الجماهير التي هي اغلبية، الصمت والعزوف عن المشاركة مع الممسكين بالسلطة، بسبب التمادي في انتهاك وسلب حقوقهم ومصالحهم، التي شرعنتها الديمقراطية واقرها الدستور وثبتتها مشاركتهم في الانتخابات.
وهنا لا بد أن نتحلى بقَدَر كبير من الشجاعة لنقول ان ( ظاهرة تعدد الولاءات، والصمت في المجتمع السائل البائن الذي يعم المشهد السياسي لا تتحملها الجماعة الوطنية... الممسكة بالسلطة، ولا الفاسدون فحسب.
ذلك لان الشعب الذي يختار الفاسدين والانتهازيين والمخادعين كما يقول المفكر ( جورج ارويل): لا يمكن اعتباره ضحية، بل شريكاً في الجريمة.
وبهذا الوصف يُحَمِّل ( جورج ارويل) الشعوب مسؤولية المصير، أو الحال الذي وصلت اليه هذه الشعوب من الانحدار والتأخر والحرمان من ابسط متطلبات الحياة الكريمة، حالها حال الشعوب الاخرى.
فالفساد لا يولد من فراغ!!!.. والطغاة لا يصعدون وحدهم.. بل على اكتاف الصمت وعلى سُلّم التجاهل، أو التفريط بالحقوق او الخوف.. فهم لا يصعدون من فراغ.. بل بتصفيق خجول... وتصويت اعمى.
إنّ مَن يُكرر نفس الاختيارات، ثم يشكو من نفس المصائب... لا يستحق لقب الضحية.. بل بالتأكيد يصبح ( شاهد زور) على ما جرى من تزوير وتجهيل وركوب على اكتاف الآخرين!!!. وايضاً. يصبح شريكاً فيه، بالصمت او بالتبرير او التكرار.
ويضيف المفكر ( ارويل)، ان الديمقراطية... ليست صندوقاً فقط.. بل هو وعي... حُرْ... وذاكرة على محاسبة الذات قبل ان تحاسب الآخر.. فمَن لا يراجع ذنوبه الانتخابية... سيعيد انتاج جلاده كل مرّة بثوب جديد. وسيفاقم أو يعيد انتاج نفس الألم.
ومَن لا يُجيد قراءة الماضي... سينتخب له المستقبل مِن كوابيسه، لا مِن أحلامه... نعم. في هذا العالَم... لا احد يبقى لأنه طيب؟.. نعم. الناس يبقون حيث توجد المنفعة، وحين يشعرون .
واذا ما عرفنا ان مشرعوا العقد الاجتماعي من (جان جاك.روسو) الى (جان بلودان) الى (ميكافيلي) يقرون ان:
- العالَم لا يُدار بالعواطف وحدها... بل بالقوة / النظام : الحاجة / الخوف / والرغبة.
عقد اجتماعي
نعم. ان العقد الاجتماعي بين الشعوب وزعاماتها هو الذي يحدد شكل الحقوق والواجبات والحريات العامة... لكنها لا تكفل للجهلة من ان يكون لهم كل هذا النفوذ، وان دساتير الامم وعقودها الاجتماعية رغم امتلائها بنصوص لتحقيق مصالح المتعاقدين ( حكاماً ومحكومين).
لكنها كرسّت حقائق مرَّة منذ الازل!!. وقد تجلّت هذه الحقائق المرَّة، كما يقول المفكر ( فولتير):
- من ان الدساتير/ القوانين... مثل خيوط العنكبوت تمسك بالضعيف وتُفلِت بالقوي...
وهذا الالتباس في تطبيق القوانين يكشف هشاشة العدالة امام سلطة الاقوياء... وان اقصاء القانون في تكريس العدل ليس صدفة، بل هو متأصل في بُنية السلطة.. التي يتناوب عليها الوصوليون الانتهازيون والفاسدون والمزورون ، وزبانيتهم.
وهؤلاء هم الذين يعيشون على تردد الجماهير في المجتمعات السائلة على اختيار ممثليها او سلطات تنفيذية، او ضمّها للمشاركة في صناعة مستقبلها السياسي، وهنا اشير الى ان المفارقة الكبيرة التي اشار اليها المفكر ( اناتولي فرانس)، الذي قال:
- ان القانون يَحضُر على الاغنياء والفقراء... على حدٍ سواء النوم تحت الجسور... والتسوّل.. وسرقة الخبز... يا لها من مساواة!!.. لا يتحمّل وزرها.. إلا المُعدمون، بينما يفلت الأغنياء منها بكل البُعد.
ونحن الآن في لحظة بناء مشروعنا... للمستقبل وللدخول في التاريخ... ومقدماته تكمن في امتلاكنا لحريتنا واستكمال مؤسسات حكمنا التي تكالبت عليها الجماعة السياسية اللاوطنية مستغلة جهل الناس خوفهم ، صمتهم ... ان الفكرة واضحة ( ان تمتلك الحرية).
هذا يزيل من قلوب وعقول جماهيرنا ظاهرة الخوف. وحول وضوح الهدف ووضوح الفكرة نقول:
- كلما ازداد وضوح الفكرة، تلاشى معها الخوف، والخوف في فهم الحرية... كان ظلاً يشكّل عالَم عدم الفِهم... فالفكرة واضحة... هي لحظة التاريخية التي يمسك فيها الانسان ليتحرر من استبداد الوهم، والخوف ينشأ عندما نعجز عن فهم ما يحدث لنا؟.
قية المادة
فنملأ الفراغ بالاحتمالات... ونستدل الحقيقة بالهواجس. وان ادراكنا لاسباب المشاكل التي تحدث لمجتمعاتنا. فكل حقيقة تُدرَك، تسقط جزءاً من الخوف، حتى يصبح العقل لا الانفصال... هو مَن يقود الحياة.
العقل. الذي يدلّنا على الخير الذي تجلبه الحرية وتدلنا على المعضلة التي يصيغها الوعي... والذي سيساهم في تثبيت قيَم الانتماء وعدم التردد او التقلب في مواقفنا الفكرية والسياسية.
ونفس الوعي بالحرية... سيمكننا بالتأكيد من رفض الصمت او السكوت على الظلم... وسيسهل لنا رسم الطريق الذي سنسلكه.
ان الوعي المطلوب يلغي ظاهرة اجتماعية تاريخية سيئة تتلخص في تقديم الولاءات او يمنع عنك التردد او الصمت السياسي غير المُجدي.. الوعي المقصود، هو الوعي الفاعل... الذي يعلمك التوقف عن لوم نفسك.
ان وضوح الفكرة لا يعني انه ينهي الاخطار، بل انه يمحو الرعب الذي يصيغه الخطر.. الذي يأتي باحتمالات الظلم والوجع. فالانسان العارف كما يقول الفيلسوف ( سبينوزا):
- قد يتألم... لكنه لا يرتجف امام اوهامه، لأنه يرى الاشياء كما هي، كما يصورها له الخيال؟.
فكل حقيقة يدركها الفرد تسقط من عنده عقدة الخوف... حتى يصبح العقل لا الانفعال هو من يقود الحياة. ونحن نسهب في تحديد عوامل تخلّف المجتمعات الطامحة بالتعبير، التي تلكأت في تطبيق مشروعها الديمقراطي.
او اتسمت تجربتها الديمقراطية الضبابية، وفكرة الدمج بين مفاهيم ( التوافق، التوازن، والشراكة). وهي مفاهيم تصطدم بابسط اشكال الديمقراطية قائمة على نظام الاغلبية والاقلية، او الاكثرية الفائزة مقابل اقلية رافضة.
اتجهت هذه التجربة الى فهم خاطىء افسدَ المياه التي يسبح فيها المتمسكون بالديمقراطية والمُتطلعون نحو حرية كاملة.. فواجهت التجربة الديمقراطية في العراق او في غيرها من البلدان العربية ، امراض افرزتها التجربة الديمقراطية.
التي تمثلت بهذه التجارب ادناه:
الخيانة النخبوية:
هذه النخب تخون مشاريع الاحزاب والكتل السياسية والتحالفات السياسية... هذه النخب او القيادات وقعت في شِرك التخادم السياسي والاقتصادي المصلحي، الذي كان من نتائجه خيانة هذه الشخصيات لبنيتها السياسية والاجتماعية.
وايضاً تخليها عن شعاراتها وبرامجها السياسية وصولاً الى الفشل في ممارسة اللعبة الديمقراطية، الذي انعكس على مجتمعاتها المحلية والوطنية، لكي تتحول من الوعي بالمشروع واهدافه الى حلف زبائني لجمهور سياسي.
سرعان ما يبدأ بالذوبان والتناقص سنة بعد اخرى ودورة بعد دورة.. وهذا المرض او العلّة كُرِسَت فكرة التحوّل، اي الانتقال الانتهازي الواضح من مشروع او حزب الى آخر وفقاً لمبدأ التقية السياسية.
والأمر الآخر، ان مفهوم الخيانة حول المدعين المظلومين الى ظالمين، ومستبدين وفاسدين في ذات الوقت.. وهذا الامر ربما هو الذي وسّع الهوّة بين الشعوب وزعمائها السياسيين.
فضلاً عن عزوف الجماهير عن المشاركة في الانتخابات الديمقراطية، هذا الأمر كرّس مبدأ الولاء النفعي بين هذا الحزب او التيار او التجمع او ذاك، وهو حبلٌ سرعان ما ينفصم او يتمزق بعد زوال المنفعة.
والغريب، ان دخول المال كسلاح في التجرية الديمقراطية عدُّها كذلك خيانة فاضحة لمبدأ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة فيها. والمعضلة الثانية، هو تعزيز الظواهر الشعبوية.
يتبين ذلك في ( ترسيخ ثقافة القطيع). وهذا العامل يقصد فيه، تضخم نسق المجاميع الشعبية وتملقها مع الزبائنية السياسية الحزبية الطائفية واستغلالها من قبل النخب الممسكة بالسلطة ليحل الجهل الشائع بين الجماهير.
التي ستحل محل الجماهير الواعية. هذا الامر بالتأكيد قد ساهم في تشويه فكرة الاختيار، إذ اصبح انتخاب الكفاءة والقيادة النزيهة صعباً جداً، ليحلّ بدلاً عنها مفهوم الولاء البعيد عن جوهر الديمقراطية والحرية والايمان والعقائد والاخلاق التي اقرتها قيَم السماء والارض وفضلتها في الاختيار لتُعمِّر الارض.
وان يكون ذلك بدلاً للزعامات التي وصلت ودمرت ولم تُعمِّر في الارض... فضلا على ان شيوع ظاهرة الجماهير الشعبوية / اللاواعية بدل عن الجماهير الشعبوية الواعية، قد اساءت للتجربة الديمقراطية الوطنية.
ان هذا الانموذج، ونقصد به الانموذج الشعبوي غير الواعي يطغي على المصالح الوطنية والمواطنة الصالحة، فضلاً عن تكريسه لمفهوم المواطنة النفعية... وهذا النوع من السلوك يذيب ابسط الروابط المجتمعية.
وانه يوسِع الهوة بين الوطن والمواطنة.. ان عوامل الظلم والقهر او التذمر.. قد تعيدنا الى تأمل مقدمات الثورة وقوانينها عند الامام علي بن ابي طالب التي يصف مقدماتها ويبرر مشروعيتها فيقول:
لقد استأثر هؤلاء... ويقصد ( الحُكام)
فاسأوا الأثر............................
وجزع هؤلاء.... ويقصد ( الناس): فاساؤا الجزع
والكلام ما زال للامام:
أن أي غالب بالشر مغلوب
أن غياب الوعي عن طرفي المعادلة ( الحاكم والمحكوم) ستقودنا لتشكيل سياسي وطني وهمي... وهي نكسة تاريخية ابعدنا الله عن شرورها.