الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المتقاعد بين قسوة المعيشة وغياب العدالة

← بواسطة azzaman

المتقاعد بين قسوة المعيشة وغياب العدالة

محمد عبد القادر الراوي

 

في ظل الانخفاض المستمر في قيمة الدينار، والارتفاع المتواصل في أسعار المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية، يجد المواطن نفسه أمام معادلة معيشية تزداد صعوبة يوماً بعد آخر؛ فالدخل الذي كان يكفي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، لم يعد قادراً على مواكبة متطلبات المعيشة، في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية للرواتب بفعل الغلاء وتراجع قيمة العملة.

قطع الحصة التموينية

وفي خضم هذه الظروف، يأتي قرار قطع الحصة التموينية عن بعض المتقاعدين بحجة أن رواتبهم تتجاوز مليوناً ونصف المليون دينار، وكأن هذا الرقم يمثل معياراً كافياً للحكم على مستوى معيشتهم، أو دليلاً على انتفاء حاجتهم إلى الدعم الحكومي.

وهنا يبرز سؤال مشروع: هل يُقاس مستوى معيشة المتقاعد بمقدار راتبه وحده، أم بما يتبقى من هذا الراتب بعد استقطاع نفقات الحياة ومتطلباتها؟

إن من يتخذ مثل هذه القرارات لا يمكنه أن يتجاهل حقيقة أن شريحة واسعة من المتقاعدين تنفق جانباً كبيراً من دخولها على مراجعة الأطباء والفحوصات الطبية وشراء الأدوية والعلاجات، فضلاً عن تكاليف المعيشة اليومية، ومتطلبات أسرهم والتزاماتهم الاجتماعية. فهل يُعقل أن يُنظر إلى راتب المتقاعد بمعزل عن هذه الأعباء؟

ثم إن المتقاعد لم يحصل على راتبه هبة أو منحة، وإنما هو استحقاق عن سنوات طويلة من الخدمة والعمل والعطاء، دفع خلالها من عمره وجهده ما أسهم في بناء مؤسسات الدولة وخدمة المجتمع. ومن غير المنصف أن تتحول سنوات العطاء هذه إلى مبرر لتقليص ما يُقدم له من دعم، أو أن يُعامل وكأنه أصبح خارج دائرة الحاجة لمجرد أن راتبه تجاوز سقفاً مالياً وضعته جهة ما.

حماية اجتماعية

إن الحصة التموينية ليست ترفاً، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها منحة يمكن سحبها بمجرد تجاوز الراتب رقماً معيناً، بل هي إحدى أدوات الحماية الاجتماعية التي يفترض أن تراعي الواقع الاقتصادي والقدرة الشرائية للمواطن.

وإذا كانت الدولة تسعى إلى ترشيد الإنفاق وتوجيه الدعم إلى مستحقيه، فإن العدالة تقتضي أن تكون معايير الاستحقاق أكثر دقة وإنصافاً، وأن تأخذ بنظر الاعتبار حجم الالتزامات، وعدد أفراد الأسرة، والظروف الصحية، وتكاليف المعيشة، لا أن تعتمد على الراتب الإجمالي وحده.

إن العدالة الاجتماعية لا تتحقق حين نبحث عن الأرقام في كشوف الرواتب، بل حين ننظر إلى الإنسان وما تبقى له من دخل بعد أن تستنزفه ضرورات الحياة.

فالمتقاعد الذي أفنى سنوات عمره في خدمة وطنه لا يطلب امتيازاً، ولا ينتظر إحساناً من أحد؛ إنه يطالب بأن يُراعى حقه في حياة كريمة، وألا يتحول بلوغه مرحلة التقاعد إلى بداية معاناة جديدة، عنوانها الغلاء من جهة، وتقليص الدعم من جهة أخرى. ولعل أكثر ما يؤلم في الأمر أن تأتي القرارات التي يفترض أن تراعي الفئات الأكثر حاجة، لتضيف عبئاً جديداً على أكتاف من أنهكتهم سنوات العمل، وأثقلت كواهلهم متطلبات العمر والمرض.

فهل أصبح تجاوز المليون ونصف المليون دينار دليلاً على الرفاه، حتى يُحرم المتقاعد من أبسط أشكال الدعم؟ أم أن المطلوب من المتقاعد أن يختار بين شراء دوائه وتأمين قوت يومه؟

إنها ليست مسألة حصة تموينية فحسب، بل مسألة نظرة إلى الإنسان وكرامته، وإلى معنى العدالة في دولة ينبغي أن تكون رعايتها لمواطنيها، ولا سيما كبار السن والمتقاعدين، واجباً لا منة

 


مشاهدات 51
الكاتب محمد عبد القادر الراوي
أضيف 2026/11/08 - 3:48 PM
آخر تحديث 2026/11/08 - 11:49 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 2085 الشهر 17146 الكلي 16667680
الوقت الآن
الأحد 2026/11/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير