بين نظام هيبكيو ومسار بولونيا.. من يحمي المنظومة رغم الاعتراضات واللغط ؟
اكرم سالم
أموال تُجبى، وطلبة يتذمرون، وأساتذة يعترضون.. وأسئلة مشروعة تنتظر إجابات من وزارة التعليم العالي ثمة مفارقة تستعصي على الفهم في واقع التعليم العالي العراقي، تتمثل في استمرار منظومتي «هيبكيو» (HEPIQ) ومسار بولونيا الأكاديمي، رغم ما يحيط بهما من اعتراضات وتساؤلات وطلاسم المستثمر بشأن الجدوى والكفاءة والنتائج. والأكثر إثارة للاستغراب أن العلاقة بين هذين النظامين تبدو وكأنها حلقة وصل هيكلية وعضوية يصعب معها الفصل بينهما، أو مراجعة أحدهما بمعزل عن الآخر، حتى باتا جزءاً عصياً على الإزاحة من قاموس المؤسسة التعليمية، مهما تعاظمت الانتقادات.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: من يمنح هذه المنظومة كل هذه الحصانة والاستمرارية ؟ ولماذا يبدو الاعتراض عليها عاجزاً عن إحداث مراجعة حقيقية، حتى عندما تصدر المطالبات من أوساط أكاديمية مهمة وطلابية واسعة؟ وهل أصبحت القرارات الإدارية والتقنية فوق مقتضيات التقييم العلمي والمصلحة التعليمية العليا للاجيال ؟
متطلبات مالية
إن أكثر ما يثير القلق هو الجانب المالي الذي لا يجوز تجاهله أو القفز فوقه. فهناك تساؤلات مشروعة عن حجم الأموال التي تُستحصل من الطلبة والجامعات، ولاسيما الجامعات والكليات الأهلية التي تجد نفسها أمام متطلبات مالية وإدارية لا تستطيع تجاوزها خشية التأثير في موقعها المؤسسي أو تعريض مسيرتها إلى الإرباك. ومن حق الرأي العام أن يعرف: أين تذهب هذه الأموال؟ وما طبيعة العقود والالتزامات المالية المرتبطة بهذه الأنظمة؟ ومن الجهات المستفيدة منها؟ وما حجم الإيرادات المتحققة؟ إننا لا نطرح اتهامات جزافية، بل نطالب بكشف الحقائق وتوفير الشفافية، لأن المال العام والمال الذي يُستحصل من الطلبة والمؤسسات التعليمية ليس شأناً خاصاً، بل مسؤولية تستوجب الرقابة والمساءلة. أما مسار بولونيا، فقد أفرز تطبيقه، بحسب شهادات واعتراضات قطاعات واسعة ومهمة من التدريسيين والطلبة، إشكالات أكاديمية وتنظيمية انعكست سلباً على العملية التعليمية ومستوى التحصيل المعرفي. وهناك من يرى أنه أضعف البناء العلمي الرصين، وأدخل المؤسسات والطلبة في دوامة متطلبات وتفاصيل إدارية على حساب جوهر التعليم والتعلم. وفي المقابل، يعبّر طلبة عن استيائهم من نظام «هيبك» (HEPIQ)، متسائلين عن جدوى المبالغ التي يدفعونها لقاء منظومة يصفونها بالغموض وصعوبة الاستخدام، بل إن بعضهم يؤكد أنه لا يستطيع الوصول إليها أو فهم آلياتها. وطلاسمها إن المطالبة بإعادة النظر ليست موقفاً ضد التطوير أو التحديث، بل دفاع عن حق التعليم العالي في اختيار الأنظمة التي تثبت كفاءتها وتنسجم مع البيئة العراقية واحتياجاتها.ومن هنا، نتطلع إلى قرار جريء ومسؤول من وزير التعليم العالي والبحث العلمي، يضع حداً لهذا الجدل، ويفتح مراجعة شاملة لمسار بولونيا ونظام «هيبكيو»، وصولاً إلى إيقاف ما يثبت عدم جدواه، والعودة إلى النظام السنوي أو الفصلي السنوي الذي تخرّجت تحت ظلاله وسياقاته المتفتحة أجيال وملايين من الكفاءات والعقول العراقية الراقية المشهود لها بالفخر والرصانة ، مع تطويره بما يواكب متطلبات العصر. كما ندعو هيئة النزاهة والجهات الرقابية المختصة إلى التدقيق في العقود والتخصيصات والإيرادات وأوجه الصرف المرتبطة بهذه المنظومات، وتحديد المستفيدين منها، والتحقق من سلامة الإجراءات المالية والإدارية. إن التعليم العالي ليس ساحة لتجارب غير محسوبة، ولا الطلبة مورداً مالياً لأي مشروع، ولا الأساتذة مجرد منفذين لقرارات لا تخضع للنقاش.
لقد آن الأوان لأن تكون المصلحة الأكاديمية فوق المصالح الأخرى، وأن تكون الكفاءة معيار البقاء، والشفافية أساس القرار. فالبقاء للأصلح، وما لا يثبت نجاحه علمياً وعملياً لا ينبغي أن يبقى مفروضاً على مستقبل أجيال العراق.
بروفيسور تدريسي كلية الادارة والاقتصاد استاذ الادارة الاستراتيجية ونظم المعلومات.جامعة دجلة