الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
وراثة الأوطان

← بواسطة azzaman

وراثة الأوطان

كامل كريم الدليمي

 

لم يعد الشرق الأوسط مجرد منطقة تعيش على وقع الأزمات، بل أصبح ساحة مفتوحة لصراعات تتشابك فيها المصالح الدولية والإقليمية، وتتصادم فيها المشاريع السياسية والأيديولوجية، فيما تدفع الشعوب الثمن الأكبر من أمنها واستقرارها ومستقبل أبنائها.

من فلسطين إلى لبنان، ومن سوريا إلى العراق، وصولاً إلى التوترات المتصاعدة في الخليج، تبدو المنطقة وكأنها تسير فوق حقل من الألغام السياسية والعسكرية، حيث لا يكاد يهدأ صراع حتى تشتعل جبهة أخرى، ولا تكاد تنطفئ نار حتى تتقد نار جديدة.

إن أخطر ما تواجهه المنطقة اليوم ليس فقط احتمالات الحرب، بل غياب مشروع حقيقي للسلام، وتراجع لغة العقل أمام ضجيج السلاح، وتحول الشعوب إلى رهائن لمعادلات القوة والنفوذ. لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الحروب لا تصنع استقراراً دائماً، وأن الانتصارات العسكرية قد تتحول إلى هزائم سياسية وإنسانية، وأن الأوطان التي تُستنزف في صراعات الآخرين تفقد تدريجياً قدرتها على بناء مستقبلها.

وفي خضم هذه التحولات، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تمتلك دول المنطقة إرادة سياسية مستقلة تضع مصالح شعوبها فوق الحسابات الخارجية؟ وهل تستطيع أن تنتقل من سياسة المحاور إلى سياسة المصالح الوطنية، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار؟

إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من الحروب، ولا إلى مزيد من الخطابات المتشنجة، بل يحتاج إلى مشروع إقليمي يقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها، وتغليب الحوار، وبناء علاقات متوازنة تحفظ المصالح المشتركة. أما العراق، بحكم موقعه الجغرافي وثقله التاريخي، فهو أمام مسؤولية استثنائية؛ أن يكون جسراً للتفاهم لا ساحة للصراع، وأن يحمي قراره الوطني من التجاذبات، وأن يجعل أمن المواطن واستقرار الدولة أولوية لا تقبل المساومة.

فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي تترك مصيرها للآخرين، ولا يغفر للقادة الذين يبددون فرص السلام في حسابات النفوذ والمكاسب الآنية.

إن وقف نزيف الشرق الأوسط لا يبدأ بإسكات المدافع فحسب، بل بإيقاف نزيف العقل السياسي، واستعادة الثقة بين الدول، وإعلاء قيمة الإنسان، والإيمان بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق على حساب أمن أي دولة أخرى.. فمن يوقف نزيف التاريخ؟

إنه سؤال موجّه إلى قادة المنطقة، وإلى المجتمع الدولي، وإلى كل من يمتلك القدرة على التأثير في مسار الأحداث.

فالسلام ليس ضعفاً، والحكمة ليست تراجعاً، والتنازل عن منطق الحرب ليس هزيمة؛ بل إن أعظم انتصار يمكن أن تحققه المنطقة اليوم هو أن تمنح أجيالها القادمة فرصة للحياة، بعيداً عن الخوف والدمار.

إن الشعوب لا تريد أن ترث الحروب، بل تريد أن ترث الأوطان.

 

 


مشاهدات 45
الكاتب كامل كريم الدليمي
أضيف 2026/11/08 - 3:55 PM
آخر تحديث 2026/11/08 - 11:49 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 2085 الشهر 17146 الكلي 16667680
الوقت الآن
الأحد 2026/11/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير