الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الخيانة موت يتنفس داخل الأوطان

بواسطة azzaman

الخيانة موت يتنفس داخل الأوطان

حامد الضبياني

 

لا تموت الأوطان عندما تُقصف مدنها، ولا عندما تُحاصر اقتصاداتها، ولا حتى عندما تزدحم مقابرها بالشهداء، فكل ذلك قد يصنع نهضةً جديدة إذا بقي الضمير حيًّا. أما الموت الحقيقي فهو أن يصبح الوطن مجرد اسم يُتلى في الخطب، بينما تُدار إرادته في أماكن أخرى، وأن يتحول الانتماء إلى سلعة تُقاس بحجم المنفعة، ويغدو القسم الذي يؤديه المسؤول مجرد كلمات يبتلعها أول امتحان للمصلحة. عند تلك اللحظة لا يعود السؤال: من سرق المال؟ بل يصبح السؤال الأكثر رعبًا: من سرق القرار؟ لأن المال يمكن أن يُستعاد، أما القرار إذا هاجر من وطنه فإن الوطن كله يصبح غريبًا داخل حدوده.الخيانة ليست فعلاً سياسياً عابراً، بل هي الفلسفة المضادة لفكرة الوطن. إنها إعلان صريح بأن الأرض لا قيمة لها، وأن التاريخ قابل للبيع، وأن دماء الذين سقطوا دفاعاً عن السيادة ليست سوى تفاصيل يمكن تجاوزها.والخائن لا يبدأ ببيع وطنه، بل يبدأ ببيع نفسه، لأن الإنسان عندما يخسر ضميره يصبح مستعداً لأن يخسر كل شيء بعده. ولهذا كانت الخيانة عبر التاريخ الجريمة التي لا يشيخ أثرها، فهي لا تقتل جيلاً واحداً، بل تزرع الهزيمة في وجدان أجيال كاملة.إن أخطر ما يصيب الدولة ليس وجود عدو عند حدودها، فالحدود خُلقت لتُحمى، والجيوش خُلقت لتقاتل. أما الكارثة فهي أن تتسلل الهزيمة إلى داخل مؤسساتها، وأن يصبح الولاء موزعاً بين أكثر من قبلة سياسية، وأن يتراجع ميزان الوطن أمام ميزان المصالح. عندها لا يحتاج الخصم إلى دبابة، لأن الانهيار يبدأ من الداخل، من قرارٍ مرتبك، ومن صمتٍ متواطئ، ومن خوفٍ يرتدي ثوب الحكمة، ومن مساومةٍ تُسمى سياسة وهي في حقيقتها تنازلٌ عن جوهر الدولة.الدولة التي تتردد في حماية سيادتها لا تؤجل الخطر، بل تمنحه وقتاً لينمو. والصمت أمام أي ولاءات تتعارض مع المصلحة الوطنية، إذا ثبتت وفق القانون، ليس حياداً، بل يترك فراغاً تتآكل فيه ثقة الناس. فالشعب لا يطلب المعجزات، لكنه يريد أن يرى أن القانون لا ينحني أمام النفوذ، وأن المسؤولية ليست امتيازاً، بل أمانة. وعندما يشعر المواطن بأن هيبة الدولة تُنتقى انتقاءً، يبدأ الشك بأكل ما تبقى من يقينه، وعندما يتآكل اليقين تتآكل معه الدولة، لأن الدول لا تقوم على الأسمنت والحديد، بل تقوم أولاً على الثقة.كثيرون يتحدثون عن الفساد وكأنه الجريمة الأخيرة، مع أن الفساد، على فداحته، ينهب الخزينة، أما انهيار الولاء الوطني فيهدد أصل الدولة وسيادتها. الفساد يصنع فقيراً، أما التفريط بالقرار الوطني فيصنع وطناً عاجزاً عن تقرير مصيره. ولهذا فإن حماية الاستقلال السياسي ليست شعاراً احتفالياً، بل هي شرط وجود الدولة نفسها، ولا تتحقق إلا بسيادة القانون، والشفافية، والمحاسبة، والتحقيق العادل في كل ما يمس المصلحة الوطنية.الأمم لا تُهزم لأنها فقيرة، ولا لأنها قليلة العدد، بل لأنها تسمح بتآكل المعنى الذي يجمع أبناءها. وما قيمة البرلمان إذا لم يكن صدىً لإرادة الشعب؟ وما قيمة المؤسسة إذا أصبحت وظيفتها تبرير العجز؟ وما قيمة الخطابات إذا كان الوطن يغادرها كلمةً بعد أخرى؟ إن المناصب تزول، والتحالفات تتغير، أما الوطن فلا يملك بديلاً عن نفسه، ولذلك فإن كل مسؤول يحمل في عنقه مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون قانونية، لأن التاريخ لا يدوّن الأعذار، بل يدوّن المواقف.العراق لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى يقظة وطنية تجعل الدستور فوق الأشخاص، والقانون فوق النفوذ، والمصلحة العامة فوق كل ارتباط آخر. فالوطن لا يطلب المستحيل من أبنائه، وإنما يطلب الحقيقة البسيطة التي قامت عليها الحضارات كلها: أن يبقى الولاء له وحده، وأن تبقى السيادة خطاً لا يُساوَم عليه، لأن الأمة التي تحرس قرارها تحرس مستقبلها، أما الأمة التي تتهاون في ذلك فإنها تفتح أبوابها لرياح لا تعرف الرحمة.


مشاهدات 52
الكاتب حامد الضبياني
أضيف 2026/07/28 - 2:52 PM
آخر تحديث 2026/07/29 - 2:08 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 821 الشهر 32163 الكلي 15997289
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير