الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مفهوم الرنين: نظرية هارتموت روزا في علاقتنا بالعالم

بواسطة azzaman

مفهوم الرنين: نظرية هارتموت روزا في علاقتنا بالعالم

عادل الثامري

 

قلّة من المفاهيم التي أنتجها علم الاجتماع الألماني المعاصر انتشرت عبر الحقول المعرفية كما انتشر مفهوم الرنين (Resonanz) عند هارتموت روزا. فقد وُلد هذا المفهوم أصلاً بوصفه تشخيصاً لأمراض الحداثة المتأخرة المرتبطة بالتسارع، ثم ما لبث أن تلقّفه الفلاسفة واللاهوتيون والباحثون في الأديان بوصفه إطاراً لوصف ما يعنيه أن تكون الحياة الإنسانية متّصلة بالعالم اتصالاً ذا معنى. فالرنين، في أبسط تعريفاته، يسمّي نوعاً من العلاقة يتبادل فيها الذات والعالم الاستجابة المتبادلة، خلافاً لما يسمّيه روزا الاغتراب، أي الموقف الجامد الأداتي. غير أن وراء هذه المقابلة البسيطة نظرية طموحة حقاً في الوجود الإنساني والاجتماع والتاريخ، بل نظرية تطمح إلى أن تكون فلسفة للدين من غير أن تُعلن ذلك صراحة.

أول ما ينبغي إدراكه في رنين روزا أنه ليس مجرد انفعال أو إحساس عابر بالتأثر، بل هو، على الأصح، نمط من العلاقة بين الإنسان وجزء من العالم؛ سواء أكان هذا الجزء إنساناً آخر أم مقطوعة موسيقية أم منظراً طبيعياً أم تقليداً دينياً أم سرداً تاريخياً. وما يجعل هذه العلاقة رنينية لا اغترابية هو كونها تبادلية: فلا يسقط المرء المعنى على العالم إسقاطاً محضاً، ولا العالم يفرض نفسه على المرء فرضاً محضاً، بل يمرّ شيء ما في الاتجاهين معاً.

ويحدّد روزا هذه التبادلية عبر أربع سمات بنيوية تتوافر، في نظره، في كل علاقة رنينية أصيلة. أولاها التأثّر (Affizierung): أن يلامس المرء شيئاً في العالم لمساً حقيقياً يخاطبنه، لا أن يترك المر غير مبال. وثانيتها الفاعلية الذاتية (Selbstwirksamkeit): ألا المرء مجرد متلقٍّ سلبي لهذا الخطاب، بل يستجيب له بصوته وفعله وشعوره الخاص، فلا تكون العلاقة أحادية الجانب. وثالث السمات التحوّل (Transformation): أن تُحدث اللقاءات الرنينية تغييراً، فيخرج منها المرء مختلفاً عمّا كان عليه حين دخلها. أما الرابعة، وهي الأعمق فلسفياً، فهي اللاتوفّر أو عدم القابلية للتحكّم (Unverfügbarkeit)، ويُشير هذا المفهوم باختصار إلى الأشياء والأحداث والظواهر في الحياة التي لا يمكن للإنسان السيطرة عليها أو التنبؤ بها أو إخضاعها لإرادته وحساباته التكنولوجية والرأسمالية. فالرنين لا يمكن استحضاره بالإرادة ولا صناعته بالتقنية ولا ضمانه سلفاً. إنه يحدث، حين يحدث، بوصفه عطاءً وليس إنتاجاً، وهذا بالضبط ما يميّزه عن منطق الامتلاك والسيطرة الذي يربطه روزا بالحياة الحديثة.

ويبني روزا هذا التصوّر في مقابل الاغتراب، لا بمعناه الماركسي الضيّق كعمل مُستلَب فحسب، بل بوصفه "علاقة" منزوعة العلاقة، حالة يبدو فيها العالم أخرس لا يستجيب، ولا يُتاح إلا مادة خاماً تُستخدم. فحيث يكون الرنين حوارياً، يكون الاغتراب أحادي الصوت؛ إذ إن الطرف الآخر - سواء أكان إنساناً أم شيئاً أم الكون بأسره - لا يجيب، أو نكون قد فقدنا القدرة على سماعه إن أجاب.

والمهم أن روزا لا يقدّم الرنين والاغتراب بديلين بسيطين يتم الاختيار بينهما اختياراً نهائياً. بل يصف العلاقة بينهما بأنها جدلية: فالرنين لا يكون ممكناً إلا على خلفية عالمٍ صامتٍ لا يستجيب في الغالب. واللحظات الرنينية الحقة ليست، في الصورة التي يرسمها روزا، إلا "ومضات" على أفقٍ مغترب أصلاً، وليس حالة مستقرة تُبلغ مرة واحدة وإلى الأبد. ومن هنا يميّز روزا بين تجربة الرنين العارضة، غير القابلة للتحكم أو الضمان، وما يسمّيه الاستعداد الرنيني الدائم (dispositional resonance)، أي قدرة وأهبة أثبت للانفتاح على مثل هذه التجارب، تتشكّل بالظروف الاجتماعية والثقافية والتاريخية، ويمكن بالتالي أن تُنمّى أو تُستنزف. وعند هذا المستوى الاستعدادي بالذات يمكن لعلم الاجتماع والتربية والثقافة أن تتدخّل، وإن كان لا شيء من الترتيب الاجتماعي قادراً على إرغام اللحظة الرنينية نفسها على الوقوع. وقد لاحظ بعض شرّاح روزا، من أمثال مارتن لاوبه Martin Laube، تردّداً بنيوياً في هذا الموضع: يُصرّ روزا على أنه لا يقدّم أطروحة جوهرانية عن الطبيعة البشرية، بيد أن حديثه عن حاجة أنثروبولوجية دائمة إلى الرنين، مشروطة بإتاحة محاور رنينية مستقرة، يقترب في واقع الأمر من مثل هذه الأطروحة الجوهرانية.

ويرسم روزا هذه البنية العلائقية عبر ثلاثة أبعاد من التجربة الإنسانية. فالرنين الأفقي يتعلق هذا البعد بالعلاقات الإنسانية والاجتماعية التي نعيشها مع الآخرين. لا يحدث الرنين هنا إلا عندما نتعامل مع الآخر ككيان حر ومستقل، وليس كأداة لتحقيق مصالحنا. ومحاور التفاعل هي الصداقة والمحبة والعائلة، والنقاشات السياسية أو الاجتماعية الديمقراطية. وجوهر هذا البعد أن تشعر بأنك "تُسمع" من الآخر، وأن كلامه "يهزّك" ويؤثر فيك داخلياً.

والرنين القُطري (أو المائل) يتعلق هذا بعلاقة الإنسان بالأشياء المادية والمحيط العملي والأنشطة التي يمارسها بيده أو عقله في الحياة اليومية. ومحاور التفاعل هي العمل (عندما لا يكون مجرد وسيلة لكسب المال) والهوايات (مثل العزف على آلة موسيقية، أو الطبخ، أو الرياضة)، والتعامل مع الأدوات والمواد. وجوهره عندما يندمج الإنسان في نشاط معين فيشعر أن المادة التي يعمل عليها تجيب وتتجاوب معه، مما يمنحه شعوراً بالفاعلية والتحقق.

أما الرنين العمودي، وهو أشمل الأبعاد الثلاثة، فيتعلق بعلاقة الإنسان بالوجود ككل، وبقوى شاملة تتجاوز حدود ذاته الفردية. هذا البعد هو الأقرب للطرح اللاهوتي والفلسفي العميق. ومحاور التفاعل هي الطبيعة (مثل الوقوف أمام بحر واسع أو جبل ضخم) والفن والموسيقى، والدين أو الروحانية (تجربة الصلاة أو الشعور بالاتصال بالكون) والتاريخ. وجوهر هذا البعد أن يشعر الإنسان بأنه ليس وحيداً في هذا الكون، بل هو جزء من كلٍّ أكبر، مدعوم ومحتوى من قِبل هذا الوجود. وهذا البعد العمودي هو الذي يفتح على أسئلة المعنى الأخير، لأن الإنسان يواجه فيه شيئاً لا يبدو أنه يخصّ جانباً واحداً من الحياة، بل الوجود بما هو وجود.

ومن السمات اللافتة في نظرية روزا رفضها لأي سردية بسيطة عن الانحدار. فهو يرى أن الحداثة تتّسم بحركة مزدوجة إزاء الرنين: فمن جهة، يُنتج التسارع في تحقيق ضرورة امتلاك العالم واستغلاله ما لا يتردّد روزا في تسميته كارثة رنينية حقيقية، أي حالة اغتراب متفشية تتقلّص فيها مجالات من الحياة إلى مجرد موارد للتحسين والاستثمار. ومن جهة أخرى، أنتجت الحداثة نفسها حساسيات وقدرات جديدة على الرنين لم تكن موجودة من قبل، أو كانت موجودة بصورة مختلفة. بل إن شدّة الاغتراب الحديث نفسها، كما يرى روزا، هي التي ولّدت شوقاً مكثّفاً إلى الرنين لا اختفاءً له. أما مهمة علم الاجتماع، في هذا التصوّر، فليست صناعة الرنين مباشرة - إذ إنه، بحكم تعريفه، لا يُصنع - بل الإسهام في خلق الظروف الاجتماعية التي تُبقي التجربة الرنينية العارضة ممكنة، والحفاظ على ذاكرة عالم أكثر رنيناً وأملِه، حتى وإن تعذّر تأمين هذا العالم على نحو دائم.

أما الدين، في هذا التصوّر، فليس محوراً من محاور الرنين العمودي فحسب، بل هو، في تعبير روزا الحرفي، "وعدٌ بالرنين". والصورة الأولى للعلاقة بالعالم، كما يستعيرها روزا من موريس مرلو-بونتي، هي أن "ثمة شيئاً حاضراً"؛ غير أن النظرة الدينية تضيف إلى هذا الحضور المجرّد افتراضاً جوهرياً: أن هذا الحاضر مستجيبٌ في أصله، مُرحِّبٌ ومتفهّم. ففي الديانات التوحيدية، يكون الله هو أساس هذا العالم المستجيب، ويكون الدين، في ضوء نظرية الرنين، علاقةً تعِد بحياة ذات معنى في الرنين، وتضمن أن يكون البُعد الأساسي للعالم علاقةً لا اغتراباً.

ويستحضر روزا في هذا السياق فريدريش شلايرماخر ورؤيته العلائقية للدين، مؤكداً أن جوهر التجربة الدينية وسرّ جاذبية الدين إنما يكمنان في فكرة عالمٍ مستجيب ومُرحِّب يلامسنا ونستطيع نحن أن نلتقيه. ويرى روزا أن هذه الرؤية منسجمة مع التقليد الديني الغربي، بل هي، في نظره، الجزء الجوهري المركزي من تصوّره هو نفسه للدين. وفي القرن العشرين، وجد تصوّر مشابه من مارتن بوبر، الذي جعل العلاقة هي الجانب الأول والأساسي في كل وجود إنساني، مؤمناً بأن الشوق إلى علاقة "أنا-أنت" حاجة إنسانية جوهرية أساسية. ويضيف روزا أن هذا الشوق، في نظر بوبر، إنما هو في الحقيقة شوق إلى الله أو سعيٌ إليه، ذلك أن الإنسان، بحسب بوبر، يتوق إلى علاقة رنينية دائمة وليس هشّة متقلبة كعلاقة "أنا-أنت" وحدها، وهذه العلاقة الدائمة لا تكون ممكنة إلا مع الله. فعلاقة الإنسان بالله هي أساس ومصدر كل علاقة بالذات وبالعالم، وإن كان الله نفسه ليس شيئاً من هذه العلاقات ولا مجموعها، لأنه ليس في العالم ولا هو العالم؛ بل إن كل علاقة "أنا-أنت"، عند بوبر، تُدخِلنا أكثر أو أقل عمقاً في علاقة مع الله، أو على الأقل في دهليزها.

ويمضي روزا في تطوير فهمه للدين عبر تأويله للصلاة والعبادة والطقوس الدينية، فيرى أن غاية الصلاة تحقيق رنين عميق مع العالم بما هو كذلك، وهو ما يتّضح من كون الصلاة موجَّهة إلى الداخل والخارج معاً، وهو ما يحدث بصورة مشابهة في تقنيات التأمّل. ويلاحظ روزا أن الرنين العمودي، في العبادة والطقوس كالإفخارستيا Eucharist (هي لفظة يونانية تعني "الشكر والعشاء الرباني) والبركة، يرتبط بمحور الرنين الأفقي بين المؤمنين، وبعلاقات الرنين القُطري بأشياء كالصليب والخبز والكأس، حتى إن هذه الأشياء قد تكفي، عند المؤمن الكاثوليكي على الأقل، لجعل الرنين العمودي محسوساً حسّياً. وتحضر أبعاد الرنين الثلاثة كلها كذلك في الاحتفال بعيد الميلاد: فهو عيد أسري (رنين أفقي)، وعيد علاقة خاصة بالمذود (رنين قُطري)، وبالطفل (رنين عمودي)؛ بل إن عيد الميلاد، من المنظور اللاهوتي، دليل على أن الله نفسه، في علاقته بالإنسان، قابل للتحوّل، وهو أمر ضروري كي يصحّ الحديث عن رنين بين الإنسان والله أصلاً.

ولا يوافق روزا من يزعم أن تصوّره لجوهر الدين - أي الحاجة إلى الاستجابة - أقرب إلى الرؤية الكاثوليكية منه إلى الرؤية البروتستانتية؛ بل يرى أن هذا الفهم منسوج في المسيحية كلها، كاثوليكيةً كانت أم بروتستانتية، وفي اليهودية كذلك، بل في سائر أديان العالم، وإن لم يتعهّد بإثبات هذه الدعوى الأخيرة. ويربط روزا بين البروتستانتي بول غيرهارت واليهودي مارتن بوبر، الذي استمدّ فلسفته في "أنا وأنت" من فهمه للحسيدية Hasidism، ويستنتج أن كليهما يعترف بجوهر الدين بوصفه الحاجة الإنسانية الوجودية إلى الاستجابة، مقترنةً بوعدٍ بإمكان تحقّق هذه الحاجة. وتضيف المسيحية إلى هذا فهماً لله بوصفه كائن علاقات، ومن هنا أهمية فكرة "التخلّل" (البَريْخوريسيس Perichoresis)، وكذلك اعتقاد المسيحية المبكرة بأن الله والنفس الإنسانية مترابطان ترابطاً تكوينياً؛ وهنا يستحضر روزا بيتر سلوتردايك، الذي عرّف علاقة النفس بالله بأنها رنين جذري "متطرّف" بامتياز.

أما المصطلح الديني التالي الذي يؤوّله روزا في خطاب نظرية الرنين فهو الخطيئة بوصفها اغتراباً عن الله، وهو ما يوافق الفهم اليهودي-المسيحي التقليدي للخطيئة بوصفها غياب العلاقة، لا سيما بمعنى الكبرياء (superbia)، أي الحالة التي يظنّ فيها المرء نفسه مكتفياً بذاته. فمن منظور نظرية الرنين، الخطيئة هي حالة اغتراب لا يكون فيها المرء راغباً أو مستعدّاً أو قادراً على سماع أحد سوى نفسه؛ وهذا، عند مارتن لوثر نفسه، هو جوهر الخطيئة. بيد أن لوثر وسائر الأديان التوحيدية لا يُعنَون في الأصل بأن يسمع المرء فعلاً صوتاً آخر بعينه، بل بأن يكون منفتحاً على الرنين أصلاً - أن نريده وأن نشتاق إليه وأن نسعى إلى بلوغه. فالدين هو الوعد بأن العالم ما زال يسمعنا ويخاطبنا، حتى وإن لم نسمعه نحن أو عجزنا عن سماعه، حين تخرس كل محاور رنيننا.

وقد تنامت الشكوك، منذ عصر التنوير، في وجود هذا الصوت المُطمئِن المُرحِّب للكون أصلاً، أم أنه مجرد وهمٍ مريح أو خداع للذات، كما تشهد على ذلك نقود الدين منذ القرن الثامن عشر فصاعداً. ففي أفق التنوير، تعذّر الحفاظ على فكرة عالمٍ مستجيب، إذ صار العالم، بحسب هذا الأفق، مجرد شيء صامت تحكمه قوانين طبيعية لا غير. وإذا كان باسكال قد كتب في القرن السابع عشر أن "الصمت الأبدي لهذه الفضاءات اللانهائية يُرعبني"، وظلّ مع ذلك مؤمناً ومراهناً على صوت الله وراء هذا الصمت كله، فإن نيتشه، بعد قرنين، تخلّى عن كل أمل في سماع صوت الكون المحبوب يوماً، معتبراً إياه مجرد لعبة خداع أو وهم، مهما كان ممتعاً. ومن أشدّ التصوّرات جذرية بشأن اغتراب العالم، في القرن العشرين، تصوّر ألبير كامو، الذي انتهى تحليله إلى أن العبثية ليست خارج العقل الإنساني وحده، ولا هي في العالم وحده دون الإنسان، بل تتوقف على الطرفين معاً، وهي الرابط الوحيد بينهما؛ وكان مقتنعاً بأن هذا هو الموقف الصادق الوحيد، وأن أعمق تجربة للعالم هي تجربة اغترابه التام، تجربة أن العالم لا يمكن تحويله إلى كائن ناطق. وتتقاطع رؤيته أساساً مع موقف الفيلسوف الطبيعي المعاصر برنولف كانيتشايدر، الذي قال في حوار عام ٢٠٠٨: "الكون لا يقول لنا شيئاً".

ونرى بذلك أنه يمكننا التمييز بين رؤيتين أساسيتين للعالم من زاوية الرنين والاغتراب: فمن جهة، الكون صامتٌ لا يتكلّم (معنا)، ومن جهة أخرى، الكون رنينيٌّ. غير أننا لا نستطيع الحسم بين هذين الخيارين بالمنطق والعقل، بل يتوقف القرار على إحساس الفرد، وهذا بدوره يتوقف على استعداده أو ميله للرنين. وكما يكتب روزا نفسه، فإن ما يكمن في "قرارة العالم" - أهو رنين الكون كما يعتقد شلايرماخر وبوبر وجيمس، أم مجرد صمت الفضاء البارد القارس كما يزعم كانيتشايدر ونيتشه وكامو - أمرٌ لا يمكن تقريره بالمنطق والعقل، بل ربما يمكن "الإحساس" به على الأكثر، ويتوقف ما يسفر عنه هذا "اختبار الإحساس" على استعداد الشخص الرنيني أو اغترابه المُكتسَبين، لا أقلّ ذلك عبر تجربته التربوية.

وبحسب روزا، ثمة رغبة أنثروبولوجية متأصّلة في الإنسان نحو الرنين، وخوفٌ من صمت العالم؛ وقد يفضي هذا الخوف إلى عنف ديني جماعي، يسعى إلى تأمين الرنين مع العالم بالقوة، وهو أمرٌ مستحيل لأن الرنين لا يمكن التحكّم فيه أو فرضه، ولأن كلا الطرفين لا بدّ أن يكونا فاعلَين في الرنين، أي أن يتكلّم كل منهما بصوته، وهذا يتنافى مع الإكراه. فالعنيف يخلط بين إخضاع الناس لإرادته وبين رنينهم مع العالم. وثمة طريقة أخرى يرتبط بها العنف بمكافحة صمت العالم، هي محاولة إيقاظ الرنين عبر الحرب أو العنف، وهو ما يفسّر، عند روزا، ظواهر تمجيد الحرب وأشكال العنف الأخرى في القرنين التاسع عشر والعشرين، وربما ينسحب هذا التفسير كذلك على كثيرين ممّن انضمّوا إلى جماعات متطرّفة معاصرة نتيجة أزمة هوية يمكن تأويلها بوصفها أزمة رنين أو أثراً من آثار الاغتراب: فقد يكون المرء مواطناً في دولة، أو فرداً في أمة أو جماعة عرقية أو أسرة، أي ينتمي (ولو ظاهرياً على الأقل) إلى شيء يحدّد هويته، لكن قنوات رنينه كلها، من جهة أخرى، ميتة أو صامتة أو مسدودة، فيحاول إحياءها بإيماءات جذرية. ويحاول الإنسان بكل السبل كسر هذا الاغتراب، لأنه أمرٌ عسير التحمّل للغاية؛ ولذا يُعرّف روزا الاكتئاب بأنه موت قنوات الرنين الإنسانية، وحالة الاغتراب هذه تعني أزمة معنى ولا معنى، يمكن تأويلها بوصفها غياباً للرنين، إذ يولد المعنى حين يبدأ وتر الرنين بالاهتزاز.

وعلى الرغم من كل مشكلات الرنين في الحداثة، لم تجفّ رغبة الإنسان وشوقه إلى الرنين. غير أن أعداداً متزايدة من الناس أخذوا يبحثون عن الرنين العمودي عبر محاور أخرى غير المحور الديني، أهمّها ثلاثة: الطبيعة والتاريخ والفن. فقد وجدت الحداثة ثلاث طرق مؤسسية أخرى لإشباع الحاجة إلى الرنين العمودي، تُعادل الدين وظيفياً من غير أن تستلزم نظاماً إيمانياً ميتافيزيقياً؛ وبذلك يصبح الدين في الحداثة مجرد محور واحد من محاور الرنين العمودي، لا المحور الوحيد.

والرنين العمودي هو رنينٌ مع المتعالي (transcendence)، وتجربة التعالي هذه توقظ في الناس أملاً وجودياً؛ ولذا يميل الناس إلى اختبار التعالي طلباً لهذا الأمل الوجودي - أي الأمل بأن للعالم ولحياتهم معنى - منه. فمحاور الرنين العمودي مصادر للأمل الوجودي الإنساني وبالتالي للمعنى. والرنين في ذاته إذن ليس مطابقاً لتجربة المعنى، لكنه مصدرها؛ بل يمكننا القول إن تجربة المعنى تتأسّس عليه. وأهل الحداثة يبحثون عن الأمل الوجودي لا في الدين وحده، بل في الفن والطبيعة والتاريخ أيضاً؛ فالدين ليس إلا مصدراً واحداً من مصادر الأمل الوجودي في الحداثة.

وإذا انتقلنا إلى تقييم أهمية هذه النظرية للدين وعلم الدين، فإن أبرز إنجازاتها، رغم اهتمام اللاهوت الكبير بها لما تحمله من طرح موضوعات دينية جوهرية في صيغة سوسيولوجية، إنما يكمن في ردّ الاعتبار لقيمة الدين بوصفه ثابتاً أنثروبولوجياً. ويقوم ردّ الاعتبار هذا على فرضية الحاجة الإنسانية الجوهرية إلى الرنين، وهي حاجة مؤسِّسة للإنسان بوصفه إنساناً. ومن هنا تُستعاد لاهوتيات قامت في الأصل على أطروحة التديّن المتأصّل أنثروبولوجياً في الإنسان (على نحو ما فعل شلايرماخر)، بعد أن كانت هذه الأطروحة قد أخذت تفقد مصداقيتها تدريجياً؛ فالصيغة المعدَّلة التي يقدّمها روزا لهذا التأسيس الأنثروبولوجي للدين، القائمة على الحاجة الإنسانية إلى الرنين بما فيها الحاجة إلى الرنين العمودي، ردّت لتلك اللاهوتيات وزنها من جديد. ومن النتائج الأخرى المترتبة على نظرية الرنين أن الدين علاقة رنينية بالعالم تتيح للإنسان أن يشعر بالدعم والأمان في هذا العالم، وهذا الشعور بالطمأنينة أساسٌ جيدٌ وعاملٌ إيجابيٌّ للثقة الأساسية "بالعالم"، وبالتالي للأمل بأن كل شيء سيكون على ما يرام في النهاية. ولا يعني هذا أن الرنين والدين يتطابقان تطابقاً تاماً، فثمة أشكال أخرى للرنين غير الدينية؛ بيد أن مفهوم الرنين عند روزا مشبعٌ دينياً في العمق، بل يعرّف روزا الدين بأنه وعدٌ بالرنين. وثمة نتيجة ثالثة، هي أن سوسيولوجيا روزا تُثبت عدم إمكان الاستغناء عن الدين والتديّن في العالم الحديث، وتضع نفسها في خدمة خلق الظروف التي يستطيع فيها الإنسان أن يشكّل حاجته إلى الرنين ويطوّرها فعلاً، وبالتالي حاجته إلى الدين. فحين ينتقد علم الاجتماع الظروف الاجتماعية من زاوية الرنين، فإنه يضع نفسه في خدمة مهمة إرساء ظروف اجتماعية تتيح للإنسان أن يشكّل حاجته إلى الرنين ويطوّرها. وقد لخّص مارتن لاوبه هذا التحوّل بعبارة لافتة: أن علم الاجتماع، الذي نشأ أصلاً من إرث نقدٍ تنويري للدين، بات يضطلع مع روزا لا بمهمة إثبات عدم إمكان الاستغناء عن الدين والتديّن في الحداثة فحسب، بل بمهمة خلق الإطار الاجتماعي الملائم لنجاحهما أيضاً؛ وهو ما لا يملك اللاهوت أن يطلب من علم الاجتماع أكثر منه.

ان ما يميّز نظرية الرنين هو رفضها حسم التوتّر الذي تصفه. فروزا لا يزعم أن العالم رنينيّ، بمعنى حسم خلافٍ ميتافيزيقي بين ثقة شلايرماخر بكونٍ مستجيب من جهة، وإصرار كامو على صمته من جهة أخرى. بل يرى أن هذه ليست مسألة تُحسم بالمنطق أو الحجاج، وإنما تتوقف على استعداد المرء المكتسَب، وتاريخ تكوينه، وشيء أقرب إلى الثقة منه إلى البرهان. وبهذا المعنى، لا يسمّي الرنين مشكلة محلولة، بل رهاناً وجودياً متجدداً، تُدعى كل حياة، بل وربما كل فعل قراءة أو كتابة أو تأويل، إلى خوضه من جديد.

 

المصادر

Laube, M. (2014). Freiheit (Themen der Theologie) [Freedom (Themes of theology)]. Mohr Siebeck.

Moltmann, J. (1985). God in creation: A new theology of nature and the perichoresis. Fortress Press.

Rosa, H. (2019). Resonance: A sociology of our relationship to the world (J. Wagner, Trans.). Polity Press.

Rosa, H. (2020). The uncontrollability of the world (J. Wagner, Trans.). Polity Press.

كمال بو منير (2022) التسارع، الاغتراب، والتصادي، قراءات في فكر هارتموت روزا، ابن النديم للنشر والتوزيع، دار الروافد الثقافية، وهران، بيروت.

 

 

 


مشاهدات 52
الكاتب عادل الثامري
أضيف 2026/07/28 - 3:09 PM
آخر تحديث 2026/07/29 - 12:52 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 73 الشهر 31415 الكلي 15996541
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير