الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أربعة دروس من قصة حب تحت صقيع موسكو

← بواسطة azzaman

أربعة دروس من قصة حب تحت صقيع موسكو

حيدر ادهم الطائي

 

كنت قد حررت مقالة قبل سنوات مضت عن الابتكار في مجال العمل الدبلوماسي او اشرت في هذه المقالة الى هذه المفردة، والحقيقة انني لم اكن اقصد بالدرجة الاولى التخطيط المسبق للوصول الى حالات ينطبق عليها الوصف المتقدم لكنني اردت ان اقول ان الابتكار في ميادين العمل الدبلوماسي ربما يأتي ابن لحضته ومن دون سابق تخطيط او قصد بل ربما يتحقق فقط اذا جاء بالضد مما اردنا الوصول اليه سواء قصدنا ذلك ام لم نقصده فعنصر المفاجأة او انقلاب القصد مع توافر حسن النية يحقق لنا نماذج للابتكار في المجالات المقصودة ومنها في نطاق العمل الدبلوماسي بمعناه الواسع جدا طالما ان مفردة الدبلوماسية يمكن ان تعني حسن التصرف واللياقة في التعامل مع الاخرين واليكم نموذج لدبلوماسية فض المشاكل بطلها احد الطلبة العراقيين، وهو تدريسي عراقي في الوقت الراهن.

ايتها السيدات والسادة لا اعرف اذا كان ما رواه لي احد الزملاء في المؤسسة التعليمية التي اعمل فيها منذ سنوات مثالا على معنى الابتكار الذي يأتي ابن لحضته عاكسا انسانية كبيرة في التعامل مع الاخرين وتفهم حقيقة مشاعرهم، فقد اخبرني ان تجربته في الدراسة التي استمرت حوالي الخمس سنوات في العاصمة الروسية موسكو كانت تجربة ممتعة جدا وثرية كذلك بتجارب الحياة حيث خرج ذات يوم من السكن الجامعي باتجاه محطة المترو التي يقصدها يوميا للذهاب الى الجامعة، وهناك شاهد سيدة روسية جميلة واقفة على بعد امتار منه داخل عربة المترو الذي يتحرك بسرعة نحو موقع الجامعة وهي ممسكة بأحد الاعمدة التي يستخدمها الركاب لتثبيت وقوفهم. ملامحها مختلفة عن الملامح التقليدية للروس، شعر اسود طويل وعيون سوداء واسعة للغاية....الخ يقول صاحبي اقتربت منها ملقيا التحية "بريفيت"  فردت بمثلها ثم سألتها ان كان بإمكاني التعرف عليها فردت بالإيجاب ثم تبادلنا ارقام الهاتف النقال الذي حرصت على ان احصل عليه بسرعة لأن محطة نزولي من المترو كانت قريبة جدا لسكني الجامعي ومبنى الجامعة ايضا كما انها تركت المترو قبل وصولنا الى المحطة التي تقع بالقرب من الجامعة، وفي اليوم نفسه اتصلت عليها فسألتني عن البلد الذي قدمت منه فأخبرتها أنني من العراق ـ والحقيقة أنها لم تعرف المكان الذي يقع فيه العراق بصورة دقيقة ـ وأنني ادرس للحصول على درجة الدكتوراه فردت بصورة تلقائية قائلة: شيء جيد تستحق التهنئة عندها بادرت مستفسرا عن مكان سكنها فردت قائلة انها تسكن مع ولدها لأن حالتها الشخصية معقدة بعض الشيء. والى هذا الحد طلبت ان نلتقي في مكان عام لأعرف عن هذه الحالة الخاصة اشياء اكثر علني استطيع تقديم المساعدة، وهذا ما حصل حيث التقيت بها لتخبرني ان زوجها غادر المنزل منذ ستة اشهر اثر مشاجرة بين الاثنين لكنه يتصل بين فترة واخرى فقط للحديث مع ولده بقصد الاطمئنان عليه يقول صاحبي تأثرت لحالها لأنني شعرت بصدق مشاعرها تجاه زوجها فسألتها هل تحبينه فردت باللايجاب فقلت لها: أنتي سيدة جميلة جدا ونحن معشر الرجال نقدر هذه الصفة في النساء لكن يبدو انكي أسمعتيه كلاما قاسيا مس مشاعره واعتزازه بنفسه فقالت: فعلت ذلك. فقلت: اذا سمحتي اعطيني هاتفكي النقال لكي اصورك فوضعته في يدي وبعد ان التقطت لها صورة واحدة طلبت منها ان ترسل هذه الصورة الى زوجها وعندما قامت بإرسال الصورة اتصل عليها خلال ثواني قليلة ليبدأ بينهما حديث استمر لمدة خمسة عشر دقيقة كنت المحها تعاتبه احيانا وينال منها الغضب احيانا اخرى وهكذا هو عتاب المحبين.

بعد انتهاء المكالمة جاءت لتجلس بجانبي واخبرتني ان كل شيء الان اصبح على ما يرام فالمشكلة انتهت. قلت: هذا شيء جيد. والآن ارجو ان تسمحي لي بمحو رقم هاتفك لأنني أشعر ان مهمتي قد انتهت. وقلت مازحا: لقد جئت خصيصا من العراق الى روسيا لأعمل على اعادة الوئام بينكما فردت ضاحكة مستبشرة. يقول صاحبي غادرت المكان وغادرت هي أيضا.

ايتها السيدات والسادة ربما نستطيع استخلاص بعض الدروس من هذه القصة الواقعية رغم رومانسيتها فأولا تبدو المبادرة مسألة في غاية الأهمية لأن التردد يقتل ما نريد ان نصل اليه، والمبادرة هنا يحتاجها الانسان من الآخرين كما يحتاجها الآخرين منا. أما الدرس الثاني فملخصه ان احترام حقوق الآخرين وعدم استغلال اوقات ضعفهم او حاجتهم الى المساعدة يمثل التزاما اخلاقيا رفيعا يرتقي بالإنسان ويزيد من اعتداده واحترامه لنفسه. الدرس الثالث يتمثل في ان اللطف الذي يغمرنا به الآخرون نرده اليهم، وقد كان الروس في منتهى اللطف مع وسيط هذه الحكاية طيلة فترة بقائه للدراسة في موسكو فهو حامل لذكريات جميلة عن اهل هذه المدينة. الدرس الرابع ملخصه ان صاحبي يصلح وسيطا متميزا لأنه سعى الى الصلح بين الاثنين بطريقة الاقتراب غير المباشر من احد الاطراف فكل ما احتاجه الزوجين المذكورين هو تحريك المياه الراكدة بلمسة رومانسية هادئة تحققت عندما التقت لهذه السيدة صورة وقامت هي بإرسالها الى الزوج الغاضب.

 


مشاهدات 42
الكاتب حيدر ادهم الطائي
أضيف 2026/09/27 - 2:15 PM
آخر تحديث 2026/09/28 - 1:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 104 الشهر 47386 الكلي 16579906
الوقت الآن
الإثنين 2026/9/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير