لمن تقرع الأجراس؟
ضحايا خصخصة الكهرباء
هاشم حسن التميمي
أخضعت قبل سنوات بعض مناطق بغداد، ومن دون أخذ رأي المواطنين، لتجربة «خصخصة الكهرباء»، على أمل عدم انقطاع التيار الكهربائي مقابل أجور اعلى بقليل من الاعتيادي، وبإدارة شركات أهلية.
كان هذا التحول الاستثماري إلى القطاع الخاص غريباً جداً؛ فالحكومة تنتج الكهرباء، وتتحمل تكاليف الغاز والتشغيل ومدّ الشبكات والتوزيع، بينما تقوم الشركات بالجباية لمصلحتها وتتولى الصيانة، في حين أن هناك جيوشاً من الموظفين في دوائر الكهرباء يفترض أن يكون عملها الأصلي هو الصيانة.
وتبيّن أن هذه الجيوش، التي تكلف خزينة الدولة مليارات شهرياً، عيّنتهم إحدى الجهات المتنفذة، وهم يقبضون ولا يعملون، أو لا ينتظمون بالدوام، والبركة بالشركات الاستثمارية التي اجتهدت لرفع الأجور، واتبعت نظاماً تعسفياً في مضاعفة سعر الوحدة المستهلكة إذا تجاوز الاستهلاك سقفاً معيناً. وهذه البدعة تحت ذريعةُ تقنين الاستهلاك، وجوهرها مضاعفة الأرباح.
ولإجبار المواطن على هذا النظام، والإمعان في إذلاله، رُفعت المولدات الأهلية التي كانت تسد فترات انقطاع التيار ليلاً ونهاراً، بافتراض أن الكهرباء أصبحت مؤمّنة من دون انقطاع.
ورغم زيادة الاستهلاك نتيجة الانشطارات السكانية بسبب الفرز غير النظامي (زيونه انموذجا)، مما ضاعف الكثافة السكانية، مع اتساع المولات والمحال التجارية، فإن الشبكة لم تتوسع، ولم تُضف محطات بسعات كافية والعمل على زيادة الإنتاج، والمغذيات الناقلة بل العكس هو الحاصل؛ فتصل الانقطاعات الآن إلى ساعات طويلة، نتج عنها تخريب للأجهزة الكهربائية، وحوادث مؤسفة، وإرهاق نفسي للمواطن، وتأخير لمصالحه الأساسية.
وللإنصاف، ربما نجحت الشركات لشهور قليلة، لكنها ومنذ عشر سنوات فشلت في التزاماتها، وتخلّت عن وعودها العسلية، وأصبحت الانقطاعات طويلة، ومعاناة الأهالي كبيرة، لغياب المولدات الأهلية في هذه المناطق. وعدم اعتماد نظام معلن للقطع المبرمج وليس المزاجي والفوضوي المزعج المتجاهل لمشاعر الناس واحترام حقوقهم.
واستمر نظام مضاعفة احتساب الوحدات الاستهلاكية، وتتجاوز الفواتير أحياناً كامل راتب المواطن وموارده الإضافية، مع اتباع أساليب قسرية عند التأخر في الدفع، بقطع التيار الكهربائي مباشرة، والدخول في دوامة المراجعات ودفع الإكراميات لإعادة التيار.
ولعل السؤال المنطقي هنا: ما أهداف هذه التجربة التي أضرّت بالمواطن، وأضرّت بالحكومة بتفريطها بموارد مهمة، مقابل أرباح غير مسبوقة لشركات استثمارية، منجزها الوحيد أن تقوم بجباية الأموال لجيوب أصحابها؟ واضيفت اليها الاف قيمة الفاتورة وهذه ليست نكتة بل بدعة للابتزاز.
والغريب أن مجلس الوزراء الموقر يفكر في إسقاط الديون عن مناطق بكاملها لم تدفع أجور الكهرباء منذ ربع قرن. فما ذنب ضحايا الخصخصة وهم يدفعون أجوراً مضاعفة، ولا يتمتعون بالكهرباء أسوة بالمناطق الأخرى؟
ما السر الكامن وراء ذلك، سوى أن المواطن الذي يحترم القانون يصبح ضحية؟
تماماً مثل آلاف المواطنين الذين التزموا بقرار إنهاء التجاوز على أراضي الدولة، وبعضهم أُزيلت منازلهم، وجرى الأمر بانتقائية ودوافع مصلحية لأطراف متنفذة، وتركت مساحات واسعة تحت التجاوز رغم أنف الحكومة.
وهذا، لعمري، كيل بمكيالين؛ فالمستثمر الديناصور يشيد مجمعات سكنية وفنادق على أرض الدولة، مُنحت له بالمجان، مع إعفاء كامل من الضريبة، وتباع بأسعار خيالية، بينما يُجبر المواطن البسيط على دفع ضريبة بالملايين عند بيعه أو شرائه عقاراً بسيطاً.
وهذه مفارقة لا نجد لها تفسيراً إلا الظلم وحكم الأقوياء على الفقراء.
ارفعوا أيديكم عن الناس، وأنهوا حكومات الخصخصة، وأعيدوا الترليونات إلى خزينة الدولة. فيكفي ثراء فلان وعلان نتيجةً لفساد وزارة الكهرباء، بل الحكومة كلها بكل وزاراتها وهيئاتها.
ولا يبالغ من يصف الرئاسات ومجلس النواب ومجالس المحافظات بالفساد وهدر المال العام، وحرمان المواطن من أبسط الحقوق المتاحة للحيوان قبل البشر في أغلب البلدان.