لعنة نكران الجميل
زكي الحلي
من أصعب ما يواجهه الإنسان في حياته أن تمد يدك إلى شخص في محنته، وتقف إلى جانبه حين يتخلى عنه الآخرون، وتمنحه من وقتك وجهدك ومالك وكلمتك الطيبة، ثم يأتي يوم ينقلب فيه عليك، وكأن شيئاً لم يكن. والأشد ألماً أن لا يكتفي بنكران الجميل، بل يتحول إلى خصم يحاول الإساءة إليك ومحاربتك، وربما ينسى أنك كنت يوماً سنداً له. أحياناً أتساءل مع نفسي لماذا تتكرر هذه الحكاية في حياتي؟ لماذا كلما وقفت مع إنسان، وجدت نفسي بعد سنوات أواجه منه جحوداً أو إساءة؟ حتى أصبحت أشعر أنني مبتلى بما أسميه (لعنة نكران الجميل )لكنني أتوقف أمام نفسي وأسأل :هل هي لعنة فعلاً، أم أنها ابتلاء من رب العالمين، ليرى هل أفعل الخير انتظاراً لجزاء الناس، أم أفعله ابتغاء مرضاته؟ تعلمت وأيقنت بعد تجارب كثيرة، أن المعروف لا يضيع عند الله، حتى لو ضاع في ذاكرة البشر. فالإنسان قد ينسى من ساعده، وقد تجرفه الأنانية أو المصالح أو الغرور، لكن الله لا ينسى معروفاً قدمته، ولا موقفاً نبيلاً اتخذته.
ومع ذلك، فإن نكران الجميل يترك جرحاً عميقاً، لأنه لا يأتي عادة من الغرباء، وإنما من أشخاص اقتربنا منهم ومنحناهم ثقتنا. وربما كان الدرس الأهم أن نفعل الخير، ولكن بوعي ، وأن نساعد، ولكن من دون أن نهدر كرامتنا أو نسمح لأحد باستغلال طيبتنا. لست نادماً على مساعدة أحد، حتى أولئك الذين انقلبوا عليّ. فالندم الحقيقي ليس أن تساعد إنساناً جاحداً، بل أن تتحول أنت، بسبب جحوده، إلى إنسان جاحد للخير. لذلك ما زلت أؤمن أن الخير يستحق أن يُفعل، لكنني لم أعد أنتظر من الناس شكراً. يكفيني أن أضع ما فعلت في ميزان الله، وأمضي. فإن كانت لعنة، فليكن الصبر علاجها، وإن كانت ابتلاءً، فليكن الاحتساب طريق النجاة. وحسبنا الله في من ظلمنا.