الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حرائق الذاكرة وحتى مصرع الفجر.. قراءة لسرديّة الزمن الجميل


حرائق الذاكرة وحتى مصرع الفجر.. قراءة لسرديّة الزمن الجميل

حميد الساعدي

 

إذا كان كتابا (حرائق الذاكرة) و(حتى مصرع الفجر) للأستاذ خضر عبد الرحيم،  يمثلان جزأين متكاملين من سيرة معتقل سياسي في سجون النظام السابق، فإنهما لا يقدّمان مجرد سردٍ لأحداث شخصية عاشها المؤلف، بل يشكلان وثيقة إنسانية وتاريخية تكشف جانباً من أكثر المراحل قسوةً في تاريخ العراق الحديث. ومن خلال الصفحات الممتدة بين الاعتقال والتعذيب والانتظار والأمل، يتحول السجين من فردٍ يحمل اسماً وملامح إلى رمزٍ للإنسان حين يُجرَّد من أبسط حقوقه، ويصبح الصمود فعلاً يومياً في مواجهة آلةٍ ضخمة من القمع والخوف.

يبدأ كتاب (حرائق الذاكرة) من منطقة الجرح المفتوح؛ من اللحظة التي يتحول فيها الإنسان فجأة من مواطن يعيش حياته الطبيعية إلى متهمٍ محاصرٍ بالشكوك والاتهامات. يستعيد المؤلف تفاصيل الاعتقال الأولى، وما يرافقها من صدمةٍ نفسية هائلة، حيث لا يكون الألم الجسدي هو العذاب الوحيد، بل يضاف إليه شعورٌ بالاقتلاع من الحياة السابقة. فالبيت الذي كان مأوى يتحول إلى ذكرى بعيدة، والأهل يصبحون صورة معلقة في الذاكرة، فيما ينفتح أمام المعتقل عالمٌ جديد تحكمه الجدران والأسلاك والأبواب الحديدية، وأصوات الجلادين والمحققين التي تخلو من أي معنىً إنساني.

تكمن أهمية هذا الكتاب في أنه لا يكتفي بوصف التعذيب بوصفه ممارسةً جسدية، بل يكشف آثاره العميقة على النفس البشرية. فالتعذيب هنا ليس مجرد ضربٍ أو إهانة، وإنما محاولة منظمة لكسر إرادة الإنسان وسحق شخصيته. لذلك يصف الكاتب لحظات التحقيق الطويلة، وأصوات الصراخ القادمة من الزنازين المجاورة، والانتظار القاتل الذي قد يكون أشد وطأة من التعذيب نفسه. فالمعتقل يعيش في حالة ترقب دائم لا يعرف فيها ماذا سيحدث بعد ساعة أو بعد يوم، ويصبح الزمن عدواً ثقيلاً يضغط على الروح بلا رحمة.

ظروف استثنائية

في أثناء ذلك ينجح المؤلف في رسم صورة دقيقة للحياة داخل المعتقلات. فهناك عالمٌ كامل يتشكل خلف القضبان: صداقات تنشأ في ظروف استثنائية، وحكايات يتبادلها السجناء ليخففوا من قسوة الواقع، ومحاولات صغيرة للحفاظ على الكرامة الإنسانية في مكان صُمم أساساً لسلبها. ومن خلال هذه التفاصيل تتجلى قدرة الإنسان على التكيف حتى في أكثر البيئات وحشية، إذ يظل الأمل حاضراً ولو في صورته الأكثر هشاشة.

أما عنوان (حرائق الذاكرة) فيحمل دلالة عميقة؛ فالذاكرة هنا ليست خزينةً للأحداث فحسب، بل ساحةٌ مشتعلة لا تهدأ. كل ذكرى تعود محمّلة بالألم، وكل مشهدٍ مستعاد يوقظ جراحاً ظنّ صاحبها أنها اندملت. ولذلك يبدو الكتاب أشبه بمحاولة لمصالحة الذات مع الماضي، أو على الأقل لفهم ما جرى وتثبيته في سجل الذاكرة الجماعية حتى لا يضيع أو يُنسى.في المقابل يأتي كتاب (حتى مصرع الفجر) ليكمل المسار ذاته، لكنه يذهب أبعد من مجرد استعادة المعاناة. فإذا كان الكتاب الأول يوثق تجربة الاحتراق الداخلي والاصطدام المباشر بآلة القمع، فإن الكتاب الثاني يركّز على رحلة البقاء والاستمرار حتى لحظة الانعتاق أو الاقتراب منها. فالعنوان نفسه يوحي بصراعٍ طويل بين الظلام والنور؛ بين الليل الذي يرمز إلى السجن والخوف، والفجر الذي يمثل الحرية أو الأمل أو الخلاص.

في هذا الجزء تتسع الرؤية الإنسانية للكاتب. فالسجن لم يعد مجرد مكان للعذاب، بل أصبح مختبراً يكشف جوهر البشر. هناك من ينهار تحت الضغط، وهناك من يزداد صلابةً. وهناك من يفقد ثقته بكل شيء، فيما يتمسك آخرون بخيطٍ رفيع من الإيمان بالحياة. ومن خلال هذه النماذج يرسم المؤلف لوحةً غنية عن الطبيعة البشرية حين تواجه أقسى الظروف.كما يبرز في الكتاب الثاني عنصر المقاومة المعنوية بشكل أوضح. فالمعتقلون لا يملكون سلاحاً مادياً، لكنهم يمتلكون الإرادة والذاكرة والكلمة. لذلك نجد أن تبادل القصص، واستحضار الذكريات الجميلة، والحديث عن المستقبل، كلها تتحول إلى أشكال من المقاومة. إنها وسائل للحفاظ على إنسانيتهم في مواجهة نظامٍ أراد تحويلهم إلى أرقام بلا ملامح.

ومن أكثر الجوانب تأثيراً في الكتابين معاً وصف العلاقة بين السجين والزمن. فالوقت داخل المعتقل لا يسير بالطريقة نفسها التي يسير بها خارجه. الدقيقة قد تبدو ساعة، واليوم قد يبدو دهراً كاملاً. ومع ذلك يظل السجين يعد الأيام والشهور، ويتمسك بفكرة أن هناك نهاية مهما طالت المعاناة. وهذه الفكرة تحديداً هي التي تمنح النص بعده الفلسفي؛ إذ يتحول الصراع الحقيقي إلى صراع بين اليأس والأمل، لا بين السجين والسجّان فقط.

انظمة شمولية

كذلك يقدّم الكتابان شهادة مهمة على طبيعة الأنظمة الشمولية وكيفية عملها. فالقمع لا يعتمد على السلاح وحده، بل على نشر الخوف وتحويله إلى أسلوب حياة. ومن خلال التجربة الشخصية للمؤلف نفهم كيف كانت المؤسسات الأمنية تسعى إلى إخضاع الأفراد وإرغامهم على الصمت، وكيف كان الاعتقال وسيلة لترهيب المجتمع بأكمله لا المعتقلين وحدهم.ومع كل ما يرد في الكتابين من مشاهد قاسية، فإن القارئ يلاحظ أن المؤلف لا يكتب بدافع الانتقام بقدر ما يكتب بدافع الشهادة. فهو لا يهدف إلى إثارة الكراهية، بل إلى نقل الحقيقة كما عاشها. وهذه السمة تمنح العملين قيمة أدبية وأخلاقية في آنٍ واحد، لأنهما يقدمان الألم بوصفه تجربة إنسانية تستحق التوثيق والتأمل، لا مجرد مادة لإدانة الماضي.ومن الناحية الفنية يمتاز السرد بالجمع بين التوثيق والجانب الإنساني. فالأحداث تُروى بدقة تجعل القارئ يشعر بواقعية التجربة، لكن النص لا يفقد حساسيته الأدبية. إذ تتخلل السرد لحظات تأمل في معنى الحرية والكرامة والعدالة، مما يرفع الكتابين من مستوى المذكرات الشخصية إلى مستوى الأدب الشاهد على عصرٍ كامل.

إن قراءة (حرائق الذاكرة) و(حتى مصرع الفجر) ليست مجرد اطلاع على سيرة فردية، بل هي مواجهة مع صفحة مؤلمة من التاريخ العراقي. فالكتابان يُذَكران القارئ بأن الاستبداد لا يدمّر الأجساد فقط، بل يترك ندوباً طويلة الأمد في الذاكرة الفردية والجماعية. وفي الوقت نفسه يقدمان درساً عميقاً في قدرة الإنسان على الصمود، إذ يثبتان أن الكرامة قد تُحاصر لكنها لا تُلغى، وأن الأمل قد يضعف لكنه لا يموت تماماً.

وفي خاتمة المطاف، يخرج القارئ من هذين العملين وهو يحمل شعوراً مزدوجاً بالحزن والإعجاب؛ الحزن على ما تعرض له آلاف المعتقَلين من انتهاكاتٍ قاسية، والإعجاب بتلك القدرة الإنسانية المدهشة على التمسك بالحياة وسط الظلام. ولهذا يمكن النظر إلى الكتابين بوصفهما شهادةً على الألم، لكنهما أيضاً شهادة على انتصار الروح الإنسانية. فبين (حرائق الذاكرة) التي تحفظ الجراح من النسيان، و(حتى مصرع الفجر) التي تلاحق بصيص النور حتى آخر لحظة، تتجسد حكاية إنسانٍ واجه القهر بكل ما يملك من صبر، وخرج ليكتب كي لا تتكرر المأساة، وكي تبقى الحقيقة حيةً في ذاكرة الأجيال.


مشاهدات 36
الكاتب حميد الساعدي
أضيف 2026/06/27 - 12:58 AM
آخر تحديث 2026/06/27 - 2:01 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 130 الشهر 25582 الكلي 15901063
الوقت الآن
السبت 2026/6/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير