الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لعنة الجيوبوليتيك

بواسطة azzaman

لعنة الجيوبوليتيك

محمد كاظم الفاضلي

 

فرضت الجغرافيا السياسية نفسها بقوة خلال حرب الخليج الرابعة، عندما تحول مضيق هرمز إلى أحد أهم أوراق القوة في الصراع، فمجرد التلويح بإغلاقه منح إيران ورقة تفاوضية مؤثرة في مواجهة الولايات المتحدة، وأثبت أن الموقع الجغرافي ليس مجرد حقيقة ثابتة على الخريطة، بل أداة استراتيجية قادرة على التأثير في موازين القوى والاقتصاد العالمي ومسارات التفاوض.

لقد تجاوزت الجغرافية السياسية، بوصفها أحد فروع الجغرافية البشرية، مفهومها التقليدي الذي كان يقتصر على دراسة المقومات الطبيعية للدولة أو عرض المشكلات الجيوبوليتيكية، لتصبح اليوم علمًا ديناميكيًا تستند إليه المؤسسات السياسية والعسكرية في رسم السياسات العامة، وصياغة الاستراتيجيات، وإدارة العلاقات الدولية، فهي تكشف الوزن السياسي للدول، وتحدد ما يمنحه الموقع الجغرافي من فرص أو ما يفرضه من تحديات.وفي هذا السياق، يبرز سؤال ملح أما آن للعراق أن يستثمر موقعه الجغرافي الاستثنائي؟ فالعراق يقع في قلب العالم و تنقل اوردته للشرق والغرب الطاقة والتجارة والثقافة.ورغم ذلك، ينشغل الخطاب العراقي غالبًا بالحديث عن «لعنة الجيوبوليتيك» وما جلبه الموقع من صراعات وتدخلات خارجية، بينما يغفل الإمكانات الهائلة لتحويل هذا الموقع إلى مصدر قوة ومصالح متبادلة مع دول الإقليم والقوى الدولية.إن الموقع الجغرافي لا يصنع النفوذ تلقائيًا، وإنما يتحول إلى قوة عندما يُدار برؤية استراتيجية.فالدول الناجحة لا تكتفي بوصف جغرافيتها، بل توظفها لخدمة مصالحها الوطنية، وتبني سياساتها الخارجية والاقتصادية على أساس ما توفره الجغرافيا من مزايا.ومن هنا تبرز الحاجة إلى تعزيز حضور المتخصصين في الجغرافية السياسية داخل دوائر صنع القرار في العراق، فمثل هؤلاء لا يقتصر دورهم على تفسير الخرائط، بل يمتد إلى تحليل التوازنات الإقليمية والدولية، وتقدير أثر الممرات التجارية والطاقة والتحولات الجيوسياسية في مستقبل الدولة، بما يساعد صانع القرار على اتخاذ مواقف أكثر وعيًا ودقة.وتكتسب هذه الرؤية أهمية أكبر في ظل زيارة رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن، حيث تُبنى السياسات الأمريكية وتحركاتها الخارجية على أسس راسخة من التفكير الجيوسياسي.إن نجاح أي تفاوض لا يعتمد على الملفات السياسية والاقتصادية وحدها، بل يتطلب إدراكًا عميقًا للوزن الجغرافي الذي يمتلكه العراق، وكيف يمكن توظيفه ليصبح عنصر قوة في لعبة الأمم، لا مجرد ساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين.لقد آن الأوان لأن ينتقل العراق من موقع المتأثر بالجغرافيا إلى موقع المستثمر لها، وأن يحول موقعه الاستراتيجي من عبء تاريخي إلى رصيد سياسي واقتصادي يعزز مكانته الإقليمية والدولية.

 

 

 


مشاهدات 36
الكاتب محمد كاظم الفاضلي
أضيف 2026/07/14 - 3:18 PM
آخر تحديث 2026/07/15 - 2:41 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 188 الشهر 15344 الكلي 15920471
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير