الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لعنة الوعي


لعنة الوعي

سرى ظافر

 

منذ اللحظة الاولى لولادتك التي لم تخطط لها ولم تطلبها، يتبادر الى ذهنك السؤال الأزلي.. ما سبب وجودك في هذا الكون اللامتناهي؟ من هذا التساؤل تولد أسئلة كثيرة لا حصر لها،  لتبدأ رحلة ادراك ماهية الحياة المقترنة بما أسماه الفلاسفة (لعنة الوعي)، لعنة قرنها دوستويفسكي بالمرض فقال أن الوعي علة مرضية، أما كافكا فجعل الافراط في الوعي أشد فتكا من المخدرات.

هذا المقال يلمس الصراع الداخلي الذي يعيشه الكثير من المفكرين والباحثين بين راحة الجهل وعذاب الوعي وهي حالة نفسية عميقة يشعر الانسان فيها بأنه يرى ما لايراه الآخرون، فيفتقد بساطة الحياة، فيتألم أكثر من غيره، وهذا ما يجعلنا نتساءل: هل تكمن السعادة في الجهل أم في المعرفة؟ هذا التساؤل ليس مجرد ترف فكري، بل هو جوهر المعاناة الإنسانية التي صورها المتنبي في شعره بقوله:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله    وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ

 

إنّ التباين كبير بين من يعطّل عقله ليعيش نعيما سطحيا، ومن يُعمل عقله فيشعر بالشقاء وان كان غارقا في النعم، ويحدث أن يمر الانسان بمواقف يتمنى فيها لو كان شجرة صماء أو حجرا أو حيوانا أو طائرا كي يلقي عن عاتقه القلق والألم وجلد الذات أوالشعور بالذنب والتقصير.

فالوعي يشبه "النور" الذي يكشف لنا الحقائق، لكنه قد يؤذي الأعين أحياناً.

​على العكس ممن يتجاهل هذا النداء فهو يعيش طمأنينة زائفة، وحالة من الرضا؛ لأنه لا يدقق ولا يسأل، يتقبل الواقع كما هو، ويستمتع باللحظة من دون أن يقلق من نهايتها، كما يسهل أن يذوب في الجماعة، ويتبنى أفكارها ويشعر بالأمان.

​إن الوعي يجعلك تكشف الحقائق في التناقضات، فتدرك الزيف في الابتسامات، والقبح المختبئ في الجمال، وهشاشة الحياة. هذا الإدراك يسلب من الأشياء بريقها السطحي ويحولها إلى تساؤلات وجودية مقلقة، ومسؤولية ثقيلة، فالوعي يمنحك حرية الاختيار، والحرية تعني المسؤولية الكاملة عن حياتك وقراراتك.

لا شك أنّ الجهل يمنح "راحة بال" مؤقتة، إلا أنه سجن ضيق الأفق. فهو يبدو واحة هادئة، لكنها واحة من سراب. وعذاب الوعي أجمل بكثير على الرغم من مرارته، فهو الذي يصنع "الإنسان" ويلون حياته . فالوعي يسمح بتذوق الجمال الحقيقي، وبناء قيم أصيلة، وتحويل الألم إلى إبداع.

​ونختم بقول الفيلسوف سقراط: "حياة لا تخضع للبحث، هي حياة لا تستحق العيش".  فاذا فهمت الشيء ملكت ناصيته، ولعنة الوعي أجمل من واحة الجهل.

 


مشاهدات 45
الكاتب سرى ظافر
أضيف 2026/01/18 - 3:11 PM
آخر تحديث 2026/01/19 - 6:16 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 215 الشهر 14079 الكلي 13121502
الوقت الآن
الإثنين 2026/1/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير