صيدليتك النفسية.. حين يصبح الوعي علاجاً
دعاء يوسف
في عالمٍ تتسارع فيه الضغوط النفسية وتتراكم الأسئلة الوجودية، يقدّم كتاب «صيدليتك النفسية» للكاتب رفيق حنا مقاربة هادئة وعملية لفهم النفس الإنسانية بوصفها مساحة تحتاج إلى وعي ورعاية، لا إلى أحكام أو وصفات جاهزة. فالكتاب، الذي يأتي ثمرة خبرة طويلة للكاتب في علم النفس والعمل الثقافي والإعلامي، يحاول أن يقرّب هذا العلم من القارئ العادي دون تعقيد أو خطاب فوقي.
ينطلق الكتاب من فكرة أساسية مفادها أن النفس، مثل الجسد، قد تمر بحالات تعب واختلال، وأن المعرفة النفسية تمثل أحد أهم مفاتيح التوازن في زمن الاضطراب. ومن هذا المنطلق، لا يقدّم المؤلف علم النفس كمنظومة نظرية جامدة، بل كأداة حياتية تساعد الفرد على فهم ذاته، وتنظيم انفعالاته، وتحسين علاقته بالآخرين.
يتوزع «صيدليتك النفسية» على خمسة عشر بابًا، تتناول موضوعات متنوعة تبدأ من التفكير السليم، الإرادة، والذاكرة، وتمتد إلى العلاقات الإنسانية، الاحتراق النفسي، تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التعصب الديني، والأمراض النفسجسمية، وصولًا إلى قراءات نفسية في الجمال، الفن، والموت. هذا التنوع يعكس رؤية شمولية ترى أن النفس تتأثر بكل ما يحيط بها، من التفاصيل اليومية الصغيرة إلى التحولات الكبرى في المجتمع.
ويمتاز الكتاب بلغة واضحة ومباشرة، تتجنب الوعظ والتنظير الأكاديمي، وتعتمد على تبسيط المفاهيم النفسية دون إفراغها من معناها. فالكاتب يفضّل طرح الأسئلة وفتح مساحات للتأمل بدل تقديم إجابات قاطعة، في محاولة لدفع القارئ إلى التفكير والمراجعة الذاتية.
كما يتوقف الكتاب عند العلاقة بين النفس والعالم الخارجي، مبرزًا أثر التكنولوجيا، الفن، اللغة، وحتى أنماط الحياة اليومية في تشكيل الحالة النفسية للإنسان. ويبيّن كيف يمكن للإهمال النفسي أن يتحول بصمت إلى توتر مزمن أو اضطرابات جسدية، ما لم يُواجَه بالفهم والوعي.
في المحصلة، لا يُقرأ «صيدليتك النفسية» ككتاب إرشاد سريع، بل كنص معرفي وإنساني يُقرأ على مهل، ويُعاد إليه عند الحاجة. كتاب يذكّر بأن الوعي قد يكون أول أشكال العلاج، وأن فهم النفس خطوة أساسية لبناء حياة أكثر توازنًا في عالم لا يمنح الإنسان كثيرًا من الطمأنينة.